حصل يوجب انضمام معلوم آخر إليه أو انفصاله عنه ، وفي كلا الحالين أحدث في النفس أثراً جديداً ، ومن ذلك تذكّر الشيء بعد الذهول عنه لوجود ما يلائمه أو يضادّه بالكلية ، وقد يكون في الحالين مع سرعة تارة ، ومع بطء تارة أُخرى ، كما يحصل ذلك في الموجودات المشهودة بلا فرق ، ومعنى هذا أنّ تأثّر جوهر الإدراك بحالة ، قد يوجب تأثّره بحالة أُخرى لرابطة بين التأثّرين ؛ سواء كانت تلك الرابطة ناشئة عن المناسبة أو المعاكسة . ومن المعلوم المقرّر عند كلّ عاقل : أنّ هذا الجوهر الروحي هو المتسلّط على الأبدان التي صارت باستعدادها الطبيعي مظهراً لآثاره ؛ بمعنى أنّ حركات هذا الروح في أجزاء الأبدان توجب مطاوعة تلك الأجزاء له ، فهذه التأثرات والانفعالات التي تحدثها فيه حركات الموجودات الواصلة إليه ، توجب في هذا الروح حركة مخصوصة على حسبها ، شأن سائر المؤثّرات الطبيعيّة العاديّة ، وبحكم حركة هذا الروح تتحرّك الأجسام والأبدان بآلاتها المخصوصة ؛ على ترتيب ونظام مخصوص يشبه حركة الروح الناشئة عن تأثّرها ، وهذا ما نسمّيه بالحركة الإرادية ، وهي التي يندفع بها البدن إلى طلب شيء أو الهروب منه عند العلم بملاءمته أو منافرته ؛ أي عند انفعال الذهن بصورته مع لازمها الذي هو الملاءمة أو المنافرة ، حسب الشكل الذي حدث في الجوهر الروحي - المعبّر عنه بالذهن - يتحرّك في الأجزاء المعَدّة لحركته فيها ، فتتحرّك هي - أيضاً - بحركته ، إمّا طلباً ، وإمّا هرباً ، جذباً أو طرداً . وقد يتعارض أثران في الجوهر المدرك الذي هو الروح ، وبعبارة أُخرى : قد تختلف صورتان علميّتان في العقل :
إحداهما تقتضي اندفاع الروح ، وحركته نوعاً من الحركة والأُخرى تطلب نوعا آخر منها ، فيقف ، وهي حالة التردّد ، فإذا عرض من الآثار الإدراكيّة أو الصور العلميّة ما يقوّي أحد الأثرين تحرّك إلى ما يوافقه ، وإلّا فهو في مركز الوقوف ، ويبقى أثر ضعيف في الإدراك للصورة المرجوحة عندما يغلب على الروح أثر الصور الأُخرى . فالإرادة إنّما هي تابعة للأثر العلمي في الروح الإدراكي ، أو هي صورة أُخرى لذلك الأثر ، بل الفعل الصادر عن الروح في البدن - أعني الحركة البدنية نفسها - إنّما
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 112
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١١٢