فالعلم والإدراك أثر في الجوهر الدرّاك يحدث فيه من المؤثّرات الأُخر المحيطة به ، كسائر الآثار التي تحدث في الأشياء من اتّصال بعضها ببعض ، وانفعال كلٍّ منها بما في الآخر من الكيفيّات والصفات التي يمكن أن ينفعل بها ، كالحرارة يكتسبها الماء عند اقترابه منها ، والماء يكتسب شكل الإناء عند وضعه فيه ، وما شابه ذلك . وهذا الأثر بحكم الوضع الإلهي - الذي لا تصل إلى كنهه العقول - يثبت في جوهر المدرك ، مستتبعاً جميع لوازمه التي لا تفارقه ، فصورة الإنسان - مثلًا - يتشكّل بها الروح على هيئتها التي تشكّل بها الضياء ، وهي في مكانها المخصوص ، ووضعها المعيّن ، فكما صارت تلك الصورة في الروح يكون فيه - أيضاً - حيّزُها ومكانها التي كانت حالة فيه عند الرؤية ، ومقدار البعد بينها وبين الأشياء التي أحاط بها الضياء وأتى بها معها . وبالجملة : فإنّ الشيء يكون في العقل كما هو في الوجود مع كافّة لوازمه وتوابعه على حسب ما اتّصف به الموصل ، وما قبل الروح المدرك بحكم استعداده الفطري ، حتّى ذهب كثير من المحقّقين إلى أنّ الحقائق بنفسها موجودة بذاتها في العقل كما هي موجودة في الخارج ، لما رأوه من التماثل التامّ بين صورة العلم والمعلوم ، فكأنّ عالم الإدراك وما يوجد فيه هو بعينه عالم الشهود وما احتوى عليه ، وكما أنّ حركة الموجودات - في العالم الخارج عن نفوسنا - تدعو إلى اتّصال بعضها ببعض ، فيتألّف منها أجسام على نمط منتظم أو غير منتظم ، يكون لها من الخواصّ والصفات بعد تألّفها ما لم يكن لها قبل التألّف ، فإنّ حركة الأجزاء الغذائية - مثلًا - وانضمامها إلى البدن الإنساني أو الحيواني ، يُكسبها من صفات الحياة مالم يكن لها قبل اتّصالها بالبدن ، كذلك حركة الجوهر المدرك فينا تُفضي إلى انضمام بعض الأشكال الإدراكية فيه إلى بعض آخر ، فيتألّف منها شكل ثالث يكون له من الخواصّ العقليّة في ذلك الجوهر ما لم يكن للشكلين الأوّلين ، ونريد من الأشكال أنواع الحركات الحادثة في جوهر الروح ، فإنّ انضمام بعضها إلى بعض يُحدِث أنواعاً أُخر من الحركة . وكما يرى في عالم الشهود أنّ بعض أجزاء العالم يجذب بعضاً ، وبعضها يطرد بعضاً آخر ؛ لتمام مناسبة أو تمام منافرة بينهما ، كذلك بعض المعلومات في العقل إذا
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 111
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١١١