تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
ومنهم من قال : إنّه انفعال النفس بتلك الصور ؛ أي التأثّر الذي يحصل فيها بورود الصور عليها . ومنهم من قال غير ذلك : من كونه نسبة بين العالم والمعلوم ، مجهولة الحقيقة ، أو اتّحاد العالم بالمعلوم . . . إلى غير ذلك من الأقوال التي لا حاجة بنا إلى ذكرها . لكنّ القولين الأوّلين هما الأقرب إلى العقل ، والأشهر في النقل ، ويكاد الخلاف [ 1 ] بينهما يكون لفظيّاً ؛ لاتّفاقهما على أنّ النفس المدركة تنطبع فيها الصور ، فهي متأثّرة بها ، إلا أنّ الخلاف في كون العلم هل هو الصورة نفسها ، أو تأثّر النفس وانفعالها بها ؟ والأقرب للحقيقة هو الرأي الثاني ، وهو ما يرشد إليه الوجدان الذي يدركه كلّ متعقّل من نفسه . فالعلم - بناءً عليه - انفعال في هذا الجوهر المدرك الذي تخفى علينا حقيقته ، لكنّا نعرف آثاره ، وهو الروح الحيوي ، والقوّة المودعة في المخّ والأعصاب من الحيوان ، أو المعبّر عنه بالنفس الناطقة في الإنسان . فالضياء الذي قال العلماء إنّه يحمل الصور إلى الباصرة مثلًا ، ليس المراد أنه ينقل صور المرئيّات - كما ينقل أحدنا الشيء - من المكان إلى البصر فيودعها فيه ؛ إذ هذا من المحالات الأوّليّة ، فإنّ صورة الشيء الذي نراه لا تفارقه بالضرورة ، بل المراد أنّ الضياء للطفه عند مروره على الصور والأشكال يتشكّل بها ، فيكون أيضاً بنفسه قد حدث فيه شكل يشاكل هيئة مامرّ وانطبق عليه على حسب حالة الانطباق ، ولما فيه من الحركة السريعة المستمرّة ، ينعكس إلى البصر بشكله ، فيؤثّر في الروح اللطيف - أشدّ لطفاً من الضياء بكثير - المودع بالحكمة الإلهيّة في مركز الإدراك ، بمثل ما تأثّر الضياء من المرئيّ عند انطباقه عليه . وهكذا يقال في تموّج الهواء بالنسبة إلى المسموعات ، وفي الملموسات والمشمومات والمذوقات يتأثّر الروح المنبثّ في الأعصاب الإدراكية من نفس الكيفيات التي تتّصل به ، فيحصل فيها مثل هيئتها التي خالطته .
هامش
[ 1 ] في الأصل : الخلف .