الكبير ، فيعلم أنّ نوع الإنسان وسائر الأنواع من لوازم كماله أو متمّماته ، فيتوجّه نحو حفظ ذلك الكمال ، ويوقن أنّ نوع الإنسان لا يحفظ بقاؤه في عالم الوجود ، إلّا بحفظ أشخاصه على التعاقب ، كما نبّأنا اللطيف الخبير بما أودعنا من القوى المولّدة والمصوّرة ، ويتحقّق أنّ حفظ أشخاصه وأفراده إنّما يكون بالاجتماع والالتئام ؛ لما لكلّ فرد من كثرة الحاجات التي يضيق نطاق وسعه عن أن يأتي عليها في الأزمنة المتطاولة ، مع اضطراره إلى جميعها في الآن الواحد ، كما تراه في موادّ الأغذية ، التي لا تحصل إلّا بزراعة وحصاد ودَرْس ثمّ طحن ثمّ عجن وخبز وطبخ وهلمّ جرّاً ، وجميعها - أيضاً - يتوقّف على صناعات كثيرة من حدادة ونجارة ونحوهما ولوازم الاكتساء من العري ، وضروريّات المدافعة والمكافحة مع ضواري الحيوانات ، كلّ ذلك لا يكون إلّا بأعمال تستفرغ أَجَل الشخص الواحد في تعلّمها ، فضلًا عن تحصيل غايته منها ، فكيف به أن يستقلّ وهو محتاج إلى ثمرات جميعها يوماً بيوم ، بل ساعة بساعة ؟ ! فلا بدّ من التعاون في الأعمال ، فيعتاض كلٌّ عن ثمن عمله بثمرة عمل الآخر ، فيكون المجموع الإنساني كبدن ذي أعضاء ؛ يعمل كلّ عضو منه للبدن لتكون عاقبته لنفسه ؛ إذ لو طلب الاختصاص - مع أنه لا بقاء له إلّا في ضمن المجموع - فقد طلب فقد نفسه من حيث لا يشعر ، فإذا علم جميع ذلك وضع نفسه عضواً حقيقيّاً وركناً ثابتاً يقوم بأداء عمل يعود على كلّية الأفراد أوّلًا من طريق كلّيّتهم ، ويعود إلى شخصه [ 1 ] ثانياً . ومبدأ هذا العمل فيه هو الذي نسمّيه بالصناعة ، فمن لم يكن ذا عمل حقيقيّ يفيد المجتمع الإنساني ، ويعيّن على انتظام الهيئة الكلّيّة ، فهو كالعضو الأشّل لا فائدة منه على البدن ، إلّا تكلّف حمل ثقله مع عدم التألّم من إزالته ، فالأولى إبانته وقطعه ، بل إن كان لا يعمل ويسعى إلى بقيّة الأفراد في عدم العمل كالإباحيّة الذين يعتقدون أنه لا ملكيّة لأحد في مالٍ ولا عِرْض ؛ حيثما جاعوا أكلوا ، أو شبقوا واقعوا ، ويبثّون أفكارهم بين أفراد النوع ليقتدوا بأعمالهم ، ويسيروا بمثل سيرهم ، فيتركون الأعمال إتّكالا على ما بيد الغير حيث إنّه مباح لهم ، فإن تغلّبت أفكارهم
هامش
[ 1 ] في الأصل : شخصيّته .