تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
ثمّ بيّن حفظه اللَّه : كيف كان يتقلّب الإنسان في سيره هذا ، ويقطع عقبات المصاعب ، ويخترق حجب الجهالات ، منقاداً في جميع ذلك لقائد الحاجة والضرورة ، يأتمر أمره ويتّبع سيره ، تارةً يتدرّج إلى الكمال فيقعده مقعد رئاسة الكون وسلطنة الوجود ؛ بما يرشده إليه من التفنّن في الفنون واختراع الصنائع ، وأُخرى ينحطّ به إلى قعر جحيم الأوهام ، ويقذف به في جب الخرافات ، ويكبّله بقيود الاعتقادات السخيفة . ويغلّ يديه بسلاسل العادات والأفكار الرديئة ، على أنّ جميع اعتقاداته الفاسدة الباطلة ، إنّما نشأت له من قياس حوادث الكون وظواهره على ما يصدر عن ذاته ( الشريفة ) حيث جعل لها غايات تحاكي غاياته على تفصيل طويل في ذلك ، مستشهداً في تبيانه بشواهد أحواله الآنيّة المشهودة ، مستدلّاً بجميع اعماله المنقولة المعهودة . وأنه في جميع مراتبه لم يكن ليقيم ظهره بين الموجودات إلّا بدعائم الصنائع ، التي هدته إلى اختراعها تلك القوّة العاقلة الكلّية ؛ لتكون له عوضاً عمّا سُلبه من اللوازم الضروريّة والحاجية والكماليّة ، التي منحت لغيره من الحيوانات بأصل الفطرة ، وليس ذلك بخافٍ على ذي شعور ، فإنّ صنعة الحياكة - مثلًا - قائمة مقام القوّة السامكة للجلود الغليظة المفرزة للأشعار والأوبار ، الواقية لما أحاطته من صولة البرد والحر ، بل القائمة مقاس ترس يحفظ جوهر بدنه من تمزيق عادية غيره ، وصناعة الحديد والأسلحة منزلةً ، منزلة القوّة المولّدة للمخالب والبراثن والأنياب للسباع والضباع وعوادي الطيور ، وهكذا بقيّة الصنائع ، وما لم يقم منها مقام ضروريّ أو حاجيّ قام مقام كماليّ على ما يتّضح لك بعد . وإذا كانت الصنائع هي قوام هذا النوع وعليها مدار بقائه في أيّ مرتبه كانت ، رأينا من الواجب أن نعرّف الصناعة ونقسّمها إلى أقسامها الاوّلية على ما قرّره الحكماء الأقدمون ، وأوضحه الفلاسفة المتأخّرون ؛ ليتبيّن شرف كلّ صناعة على وجه الإجمال ، فنقول : الصناعة : قوة فاعلة راسخة في موضوع ، مع فكر صحيح نحو غرض محدود الذات .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 101 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده