وأمّا ذوو البطالات ومن رفضوا الأسباب ، ووكلوا أنفسهم إلى التوكّل الكاذب ؛ إذ لم يتحقّقوا معنى التوكّل ، وظنّوا أنّه عبارة عن معارضة سُنّة اللَّه التي قد خلت في عباده ، ودعوا ذلك تبتّلًا وانقطاعاً عن عالم الظاهر ، مع أخذهم لكشكول التكفّف ، وخلعهم لجلباب التعفّف ، فهم بمنزلة شعر الأُبُط لا ينشأ عن تكاثفه سوى عناء الحكّ واستجلاب بعض العفونات إن لم يُتعهّد بالتطهير ، ويستحبّ إزالتهم وتنقية الهيئة الاجتماعية من دونهم ، فإن بلغ من أمرهم أن يتّخذوا ذلك أمراً يدعى إليه ، وذهبوا في الناس يحوّلون وجوههم عن الاعمال ، ويقلّدون أعناقهم سُبَحَ المكْر والحيلة ، بسرابيل التمويه والتزوير ، ويُغرونهم بتأبّط هراوة الشرّ واقتناء قدح الطمع ، يُودِعون نفوسهم أخلاق الشيطان ؛ من حبّ الرئاسة الكاذبة ، وطلب الدنيء من الدنيا من كلّ وجه ، والحقد ، والحسد ، والعداوات ، وغير ذلك ، ويحجبون ذلك بأستار من التلبيس غير المنتظم ، ثمّ يُوصونهم أن أخرجوا أيديكم من تحت تلك الأستار ، طالبين انتهاب أموال الناس والاستئثار بثمرات اكتسابهم باسم أنّهم ، وأنهم ، وأنهم . . . كما ترى ، وجب إلحاقهم بالإباحيين ، وتحتّم على كلّ ذي شعور من بني النوع أن يسعى لقطع دابرهم واستئصال شأفتهم ؛ كيلا يُفسدوا أفكار العامّة وأعمالهم ، ويعود ويل ذلك كلّه على العامّة والخاصّة معاً . وبالجملة : حيث تبيّن أن لا قوام للانسان إلّا بالصنعة ، فمن أخلّ بوظائفها ، أو رامها بالنقد ، فقد عمد إلى هدم بنيان الإنسانيّة ، فعليها أن تطرده من أبوابها وتمحو اسمه من كِتابها : أقسام الصنعة وشرفها : ثمّ إنّ الصنعة على التعريف المتقدّم - تنقسم إلى أقسام : إمّا نافعة ضروريّة ، أو غير ضروريّة ، وإما أن تكون كثيرة النفع ، أو قليلته ، أو متمّمة لفعل الطبيعة ، أو مزيّنة له . فالقسم الأوّل : كالحدادة ؛ لأنّها ممّا يحتاج إليه جميع الصناعات العمليّة .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 105
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٠٥