فالقوّة منشأ الأثر مطلقاً ؛ فعلًا كان أو انفعالًا ، فالمعلّم - مثلًا - ذو قوّة الفعل ، والمتعلّم ذو قوّة الانفعال ، إلّاأنّ قوّة التأثّر والقبول لاتعدّ صناعة ، ومن أجل ذلك قيّدت بالفاعلة ، وليست كلّ قوّة فاعلة صناعيّة مالم تكن تلك القوّة راسخة في موضوعها ، تصدر عنها أعمال مستمرّة على وجه منتظم . فالقوّة الحالية التي تعرض آناً وآنات ثم تزول ليست منها في شيء ، وما لم يكن فعلها تحت سلطان الفكر فلا تدخل في مفهوم الصناعة ، كالأفعال الطبيعيّة من إحراق النار ، وتمديد الحرارة ، وتجميد البرودة ، وما شاكل ذلك . فإن لم يكن الفكر صحيحاً ، كفكر السوفسطائي المنكر لبديهيّات العلوم ، أو كان نحو غرض غير محدود الذات ، كأعمال الجدلي الذي أخذ على نفسه أن لا يقرّ قولًا لقائل أيّاً كان ، حقّاً أو باطلًا ، فليس له حدّ يقف عنده ، بل قوّته متوجّهة إلى معارضة مقابله ، فإن كان نافياً كان هو مثبتاً ، وإن كان مثبتاً كان هو سالباً ، فليس بصناعة . ثمّ إنّ من نظر في عالم الوجود الكلّي ، علم علم اليقين إنه وأن وقع كثير من صوره وكمالاته تحت قوىً طبيعيّة ، كقوى النموّ والجذب والدفع ، أو قوى إحساسيّة كقوى طلب الغذاء - مثلًا - في الحيوانات ، أو الهرب ممّا يؤلم الجثمان ، إلّا أن عامّة أفعاله واقعة على ترتيب عقليّ محكم ، ونعني بالترتيب العقلي ما يكون مبنيّاً على مراعاة الغايات والحِكَم وفوائد الكمال ، التي تعود على نظام الكلّ وتبقى ببقائه ، فإنّ العقل على خلاف الحسّ إنّما ينظر إلى الكلّي الباقي أوّلًا ، ثم يتدرّج منه إلى الجزئي ، لا العكس . وإنّ واضع هذا النظام العامّ قد خوّل الإنسان من قوّة العقل مالم يُخوّله غيره ، وجعلها محور صلاحه وفلاحه ، إن وجّهها صوب وجّهتها الحقيقية ، فإن استعملها لغايات طبيعيّة أو حسّيّة ؛ أي قاصرة على موضوعها المودعة فيه لا تفيد سواه ، كأن يطلب بها تنمية بدنه ، أو جلب ما يلائم ذائقته أو نهامته ، وما يشبه ذلك ، فقد أضاع تلك القوّة العالية الشريفة ، وسلخ عنها ثمرتها ، وانحط إلى درجات الحيوانات ، بل النباتات ، التي لم تمنح تلك المنحة الجليلة ، وأمّا من حفظ نفسه من السقوط ، وأمسك عليها حقّ تلك الخاصّة - أعني العقل - فهو الذي ينظر إلى كلّية العالم
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 102
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٠٢