تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
يبعثه على الغُدُوّ لطلب قوته من الأعشاب وثمار الأشجار ، والرواح للاستكنان في كنّ يواريه عن أعين الحيوانات العادية ، والفرار من المكاره الحسّية ، كما تفرّ الشاة من الذئب ، والأرنب من الثعلب . ولم يكن له من رفعة القدر ما يجلسه على كرسيّ سلطنة الوجود ، ويقيمه متحكّماً في كلّ موجود ، ويدعوه للحكم بأنّه خلاصة العالم ومنتهى سير الحقائق وعماد عالم الكون ، وأنّ جميع البسائط والمركّبات إنّما خُلقت لأجله ، والكواكب السيّارات إنما تتحرّك لخدمته ، بل كان ضعيفاً عاجزاً جاهلًا حافياً عارياً يزعجه كل حادث ، وتستفزّه كلّ نبأة ، ويتهيّب من كلّ شكل وهيئة ، والشاهد على ذلك ما تحكيه لنا أحوال الأُمم التي كأنّها قريبة عهد بالإنسانية في جنوب أفريقيا ، والقبائل المستمرّة في قمم الجبال والأُجُم والغابات البعيدة عن العمران البشري المعروف ، الذين لم تضطرّهم الحاجات ولم تَسُقْهم الضرورات إلى الانتقال من مكان إلى مكان ، فإنّهم لم يزالوا على سذاجة الحيوانيّة وبساطة الفطرة ، لا يفهمون خطاباً ، ولا يُحسنون جواباً ، إلّا ما كان متعلّقاً بضرورة الحياة ، كجلب قوت بسيط ، ومدافعة عادٍ من الحيوانات ، وجميع ما يعدّه الإنسان المتمدّن كمالًا وإنسانيّة فهم بعيدون منه ، عارون عنه ، مع بُعد تاريخهم وامتداد زمن وجودهم على سطح الأرض . إلّا أنّ مبدع الكون - جلّت قدرته - لمّا اختصّ هذا النوع من بين الأنواع الحيوانيّة بخاصّة العجز والفقر والحاجة ؛ حيث جعل جميع لوازم حياته خارجة عنه ، لا تحصل إلا بالتحصيل ، وليس تحصيلها إلّا بعد الكدّ والعناء ؛ وهبه قوّة عاقلة كلّية التصرّف ، عامّة القبول ، ووكّل تربية هذه القوّة إلى تعليم مدرسة الوجود الكلّي ، فكان لكلّ نبات وحيوان بل لكلّ موجود مشهود ، حقّ الاستاذيّة وسابق الفضل على نوع الإنسان ، فاسترشد بأعمالها ، واهتدى بآثارها ، والتقط درر الحكم من فعلها وانفعالها ، وتدرّج في ذلك شيئاً فشيئاً ، تارة يُخطئ وتارة يصيب ، وطوراً ينجلي له الحق وآخر عنه يغيب ، مرّة تعوقه العوائق القدرية والإرادية عن إدراك الحقائق والوصول إليها ، وأُخرى تجذبه الجواذب اضطراراً للوقوف عليها ، حتى وصل إلى ما تراه من أحواله الغريبة وآثاره العجيبة .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 100 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده