فلسفة الصناعةقد عاد حضرة الأُستاذ الفاضل ، والفيلسوف الكامل ، السيّد جمال الدين الأفغاني إلى التدريس بعد فترة تزيد مدّتها عن سنة ، فابتدأ - حفظه اللَّه - يقرأ شرح إشارات الرئيس ابن سينا في الحكمة العقليّة ، وهو كتاب جليل يحتوي من هذا العلم أُصولًا جليلة ، غُرست أُصولها في بلاد المشرق من مدّة تقرب من ألف سنة ، إلّاأنّها نبتت فروعها في المغرب ، واجتُنيتْ ثمارها لغير غارسيها ، ولم تزل في بلادنا على كلّيّتها وإجمالها لم تخرج نتائجها العقلية من حيّز القوة إلى الفعل ، إلّاأنّ هذا السيد الفاضل قد جمع في تدريسه بين تدقيق الشرقيّين ، وبسط الغربيّين ، يجمع إلى الأصول فروعها ، وإلى المقدّمات نتائجها ، وإلى المجملات تفاصيلها ، بانياً جميع أقواله على البراهين الثابتة والحجج القويمة . ولمّا كانت دروسه العالية عظيمة الفوائد ، جمّة الثمرات للعموم ، رأيت من الواجب - قياماً بالخدمة الإنسانية - أن أُودع بعضها قوالب العبارات اللائقة بها ، وأنشر طيب وفدها في صُحُف لتعمّ الفائدة ، واللَّه يتولّى التوفيق . بيّن حفظه اللَّه وأثبت : أنّ الانسان نوع من أنواع الحيوانات الأرضيّة - لا كما يزعمه أرباب الأوهام كالصينيين وقدماء الفرس من أنهم من أبناء السماء ، فليتذكر من له فطنة - وأنه قد أتى عليه حين من الدهر وهو على مقربة منها ، ينشأ نشأتها ، ويسير في عيشة سيرتها ، يتفيّأ ظلال الأشجار ، ويستكنّ في الحجرة والأوكار ، ليس له شعار ولا دثار ، ولكن خفيف أشعار ، يقتات بنباتات وثمرات تحضرها له القدرة الإلهيّة ، على يد القوى الطبيعية ، لا تمسّها يد صناعيّة ، ولا تربية أجنبيّة ، ليس له من المكر والتحيّل إلا ما لا يداني فيه الثعلبَ ، ولا من العلم والتدبير إلّاما
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 99
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٩٩