أرواح المسلمين سريان الاعتقاد في مداركهم وهم من تذكار الماضي ومراقبة الحاضر يتنفسون الصعداء ولا نأمل أن يصير التنفس زفيرًا بل نفيرًا عامًا بل يكون صاخة تمزّق مسامع من أصمه الطمع . إنّ أولى المتغلبين بالاحتراس من هذه العواقب جيل من الناس لا كتائب له في فتوحاته إلا المداهاة ولا فيالق يسوقها للاستملاك سوى المحاباة ولا أسنّة يحفظ بها ما تمتد إليه يده إلا المراضاة ، يظهر بصور مختلفة الألوان متقاربة الأشكال كحافظ عروش الملوك والمدافع من ممالكهم ومثبّت مراكز الأمراء ومسكن الفتن ومخلّص الحكومات من غوائل العصيان وواقي مصالح المغلوبين فكان أول ما يجب عليه ملاحظته في سيره هذا أن لا يأتي من أعماله بما لا يهتك هذا الستر الرقيق الذي يكفي لتمزيقه رجع البصر وكر النظر . وأن يتحاشى العنف مع أمّة يشهد تاريخها بأنها إذا حنقت خنقت ، وليس له أن يغتر بعدم مكنتهم وهو يعلم أن الكلمة إذا اتحدت لا تعوزها الوسائط ولا يعدم المتحدون قويا شديد البأس يساعدهم بما يلزمهم لترويج سياسته وإن المغيظ لا يبالي في الإيقاع بمناوئه أسلم أو عطب فهو يضر ليضر ، إن مسه الضر . إلا أن غشية التهم ذهبت بعقول المنهومين ووقرت أسماعهم من حسيس الهمسات المتراسلة من الهند إلى مكة ومن مكة إلى مصر والكرير [ 1 ] الممتد من مصر إلى مكة ومن مكة إلى الهند وكلها تتلاقى بين تراقي المغرورين بقوتهم المسترسلين في جفوتهم . إنّ الرزايا الأخيرة التي حلّت بأهم مواقع الشرق جددت الروابط وقاربت بين الأقطار المتباعدة بحدودها المتصلة بجامعة الاعتقاد بين ساكنيها فأيقظت أفكار العقلاء وحوّلت أنظارهم لما سيكون من عاقبة أمرهم مع ملاحظة العلل التي أدّت بهم إلى ما هم فيه ، فتقاربوا في النظر وتواصلوا في طلب الحق وعمدوا إلى معالجة الحق وعلل الضعف راجين أن يسترجعوا بعض ما فقدوا من القوة ومؤملين أن تمهّد لهم الحوادث سبيلًا حسنًا يسلكونه لوقاية الدين والشرف . وإن في الحاضر منها
هامش
[ 1 ] . الكرير : صوت في الصدر كصوت المختنق .