تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
لم تكد تخمد تلك الحركة في بادىء النظر حتى خلفتها حركة أخرى وفُتِح باب كان مسدودًا وقام قائم بدعوة لها المكانة الأولى في نفوس المسلمين ، بل هي بقية آمالهم ولا ندري الآن ماذا تستعقبه هذه الحركة الجديدة ، وربما يوجد من يدري أن مسببيها في حيرة من تلافيها ، نعم إنّهم غرسوا غرسًا إلا أنهم سيجنون أو هم الآن يجنون منه حنظلًا ويطعمون منه زقومًا . لا جرم أن هذه هي العواقب التي لا محيص عنها لمن يغالي في طمعه ويغلغل في حرصه ولو أنهم تركوا الأمر من ذاك الوقت لأربابه وفوضوا تدارك كل حادث للخبراء به والقادرين عليه العارفين بطرق مدافعته أو اقتناء فائدته لحفظوا بذلك مصالحهم ونالوا ما كانوا يشتهون من المنافع الوافرة بدون أن تزل لهم قدم أو ينكس لهم علم . غير أنهم ركبوا الشطط وغرّهم ما وجدوا من تفرّق الكلمة وتشتت الأهواء وهو أنفذ عواملهم وأقتلها ، وما علموا أنه وإن كان زريع الفتك إلا أنه سريع العطب ، وما أسرع أن يتحوّل عند اشتداد الخطوب إلى عامل وحدة يسدد لقلوب المعتدين . فإن بلاء الجور إذا حل بشطر من الأمة وعوفي منه باقيها كانت سلامة البعض تعزية للمصابين وحجاب غفلة للسالمين يحول بينهم وبين الإحساس بما أصاب إخوانهم ، أما إذا عمّ الضرر فلا محالة يحيط بهم الضجر ويعزّ عليهم الصبر فيندفعون إلى ما فيه خيرهم ولا خير فيه لغيرهم . إن الحالة السيئة التي أصبحت فيها الديار المصرية لم يسهل احتمالها على نفوس المسلمين عمومًا . إنّ مصر تعتبر عندهم من الأراضي المقدسة ولها في قلوبهم منزلة لا يحلها سواها نظرًا لموقعها من الممالك الإسلامية ، ولأنها باب الحرمين الشريفين فإن كان هذا الباب أمينًا كانت خواطر المسلمين مطمئنة على تلك البقاع وإلا اضطربت أفكارهم وكانوا في ريب من سلامة ركن عظيم من أركان الديانة الإسلامية ، إن الخطر الذي ألمَّ بمصر نغرت له أحشاء المسلمين وتكلمت به قلوبهم ولا تزال آلامه تستفزهم ما دام الجرح نغارًا . وما هذا بغريب على المسلمين ، فإنّ رابطتهم المليّة أقوى من روابط الجنسية واللغة ، وما دام القرآن يتلى بينهم وفي آياته ما لا يذهب على أفهام قارئيه فلن يستطيع الدهر أن يذلهم . إن الفجيعة بمصر حرّكت أشجانًا كانت كامنة وجددت أحزانًا لم تكن في الحسبان وسرى الألم في
العروة الوثقى — صفحة 98 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده