لنهزة تغتنم وإليها بسطوا أكفهم ولا يخالونها تفوتهم ، ولئن فاتت فكم في الغيب من مثلها وإلى الله عاقبة الأمور . تألفت عصبات خير من أولئك العقلاء لهذا المقصد الجليل في عدة أقطار خصوصًا البلاد الهندية والمصرية ، وطفقوا يتحسسون أسباب النجاح من كل وجه ويوحدون كلمة الحق في كل صقع لا ينون في السعي ولا يقصرون في الجهد ولو أفضى بهم ذلك إلى أقصى ما يشفق منه حي على حياته . ولما كانت بدايتهم تستدعي مساعدة من يضارعهم في مثل حالهم رأوا أن يعقدوا الروابط الأكيدة مع الذين يتململون من مصابهم ويحبون العدالة العامة ويحامون عنها من أهالي أوروپا ، وكتبوا على أنفسهم النظر في أمر السلطة العامة الإسلامية وفروض القائم بها ، وبما أن مكة المكرمة مبعث الدين ومناط اليقين وفيها موسم الحجيج العام في كل عام يجتمع إليه الشرقي والغربي ويتآخى في مواقفها الطاهرة الجليل والحقير والغني والفقير كانت أفضل مدينة تتوارد إليها أفكارهم ثم تنبث إلى سائر الجهات والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل . ولما كان نيل الغاية على وجه أبعد من الخطر وأقرب إلى الظفر يستدعي أن يكون للداعي في كل قلب سليم نفثة حق ودعوة صدق . طلبوا عدّة طرق لنشر أفكارهم بين من خفي عنه شأنهم من إخوانهم ، واختاروا أن يكون لهم في هذه الأيام جريدة بأشرف لسان عندهم وهو اللسان العربي وأن تكون في مدينة حرّة كمدينة پاريس [ 1 ] ليتمكنوا بواسطتها من بثّ آرائهم وتوصيل أصواتهم إلى الأقطار القاصية تنبيها للغافل وتذكيرًا للذاهل ، فرغبوا إلى السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني أن ينشئ تلك الجريدة بحيث تتبع مشربهم وتذهب مذهبهم فلبّى رغبتهم ، بل نادى حقا واجبًا عليه لدينه ووطنه وكلّف الشيخ محمد عبده أن يكون رئيس تحريرها فكان ما حمل الأول على الإجابة ، حمل الثاني على الامتثال ، وعلى الله الاتكال في جميع الأحوال .
هامش
[ 1 ] . يقصد پاريس عام 1884 ! !