أن عشيرة قليلة العدد فنيت في سواد أمّة عظيمة ونسيت تلك العشيرة اسمها ونسبتها فلم يجز في زمن من الأزمان إمحاء أمّة أو ملّة كبيرة بقوة أمة تماثلها في العدد أو تكون منها على نسبة متقاربة ، وإن بلغت القوة أقصى ما يمثله الخيال . والذي يحكم به العقل الصريح ويشهد به سير الاجتماع الإنساني من يوم علم تاريخه إلى اليوم ، أن الأمم الكبيرة إذا عراها ضعف لافتراق في الكلمة ، أو غفلة عن عاقبة لا تحمد ، أو ركون إلى راحة لا تدوم ، أو افتتان بنعيم يزول ، ثم صالت عليها قوة أجنبية ، أيقظتها ونبهتها بعض التنبيه ، فإذا توالت عليها وخزات الحوادث ، وأقلقتها آلامها ، هرعت إلى استبقاء الموجود ورد المفقود ، ولم يجد بدا من طلب النجاة من أي سبيل ، وعند ذلك تحس بقوتها الحقيقية وهي ما تكون بالتئام أفرادها ، والتحام آحادها ، وإن الإلهام الإلهى والإحساس الفطري والتعليم الشرعي ترشدها إلى أن لا حاجة لها إلى ما وراء هذا الاتحاد وهو أيسر شيء عليها . إن النفوس الإنسانية وإن بلغت من فساد الطبع والعادة ما بلغت ، إذا كثر عديدها تحت جامعة معروفة لا تحتمل الضيم إلا إلى حدّ يدخل تحت الطاقة ويسعه الإمكان ، فإذا تجاوز الاستطاعة كرّت النفوس إلى قواها ، واستأسد ذئبها ، وتنمر ثعلبها ، والتمست خلاصها ولن تعدم عند الطلب رشادًا . ربما تخطىء مرة فتكون عليها الدائرة ، لكن ما يصيبها من زلّة الخطأ يلهمها تدارك ما فرط والاحتراس من الوقوع في مثله ، فتصيب أخرى فيكون لها الظفر والغلبة ، وإن الحركة التي تنبعث لدفع ما لا يطاق إذا قام بتدبيرها قيّم عليها ، ومدبر لسيرها ، لا يكفي في توقيف سريانها ، أو محو آثارها ، قهر ذاك القيم وإهلاك ذاك المدبر ، فإن العلة ما دامت موجودة لا تزال آثارها تصدر عنها ، فإن ذهب قيّم خلفه آخر أوسع منه خبرة وأنفذ بصيرة ، نعم ممكن تخفيف الأثر أو إزالته بإزالة علّته ورفع أسبابه . جرت عادة الأمم أن تأنف من الخضوع لمن يباينها في الأخلاق والعادات والمشارب ، وإن لم يكلفها بزائد عمّا كانت تدين به لمن هو على شاكلتها ، فكيف بها إذا حملها ما لا طاقة لها به . لا ريب أنها تستنكره ، وإن كانت تستكبره ، وكلما
العروة الوثقى — صفحة 96
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٩٦