أنكرته بعدت عن الميل إليه ، وكلما ابتعدت منه بجهة كونه غريبًا تقرب بعضها من بعض فعند ذلك تستصغره فتلفظه كما تلفظ النواة وما كان ذلك بغريب . إن مجاوزة الحد في تعميم الاعتداء تنسي الأمم ما بينها من الاختلاف في الجنسية والمشرب ، فترى الاتحاد لدفع ما يعمها من الخطر ألزم من التحزّب للجنس والمذهب وفي هذه الحالة تكون دعوة الطبيعة البشرية إلى الاتفاق أشدّ من دعوتها إليه للاشتراك في طلب المنفعة . أبعد هذا يأخذنا العجب إذا أحسسنا بحركة فكرية في أغلب أنحاء المشرق في هذه الأيام . كلٌ يطلب خلاصًا ويبتغي نجاة وينتحل لذلك من الوسائل والأسباب ما يصل إليه فكره على درجته من الجودة والفن ، وإن العقلاء في كثير من أصقاعه يتفكرون في جعل القوى المتفرقة قوة واحدة يمكن لها القيام بحقوق الكل . بلى ، كان هذا أمرًا ينتظره المستبصر وإن عمي عنه الطامع وليس في الإمكان إقناع الطامعين بالبرهان ولكن ما يأتي به الزمان من عاداته في أبنائه ، بل ما يجري به القضاء الإلهي من سنة الله في خلقه سيكشف لهم وهمهم فيما كانوا يظنون . بلغ الإجحاف بالشرقيين غايته ، ووصل العدوان فيهم نهايته ، وأدرك المتغلب منهم نكايته ، خصوصًا في المسلمين منهم ، فمنهم ملوك أنزلوا عن عروشهم جورًا وذوو حقوق في الإمرة حرموا حقوقهم ظلمًا ، وأعزاء باتوا أذلاء ، وأجلاء أصبحوا حقراء ، وأغنياء أمسوا فقراء ، وأصحاء أضحوا سقامًا ، وأسود تحوّلت أنعامًا ، ولم تبق طبقة من الطبقات إلا وقد مسّها الضرر من إفراط الطامعين في أطماعهم خصوصًا من جرّاء الحوادث التي بذرت بذورها في الأراضي المصرية من نحو خمس سنوات بأيدي ذوي المطامع فيها . جلبوا إلى البلاد ما لا تعرفه فدهشت عقولها وشدّوا عليها بما لا تألفه فحارت ألبابها وألزموها ما ليس في قدرتها فاستعصت عليه قواها وخضدوا من شوكة الوازع تحت اسم العدالة ليهيئوا بكل ذلك وسيلة لنيل المطمع ؛ فكانت الحركة العرابية العشواء فاتخذوها ذريعة لما كانوا له طالبين فاندفع بهم سيل المصاعب ، بل طوفان المطائب ، على تلك البلاد وظنوا بلوغ الأرب ولكن أخطأ الظن وهمّوا بما لم ينالوا .
العروة الوثقى — صفحة 97
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٩٧