التي ولّدت الحقد في الملوك المسيحيين ضد المسلمين ، وأخذت من ذلك الوقت تجمع كيدها وتحصر همها ، لمناصبة الدولة العثمانية ، وتعمل على إذلالها وضعضعتها ، وإخراجها من فتوحاتها الأوروپية بكل وسيلة ، وفي كل سانحة وفرصة . والأكثر في الحروب والتغلب ، والانتصار فيهما ، إنما يكون بالقوة والعلم ، ولو أنّ الدولة العثمانية راعت من يوم تأسست ، أو من يوم ما استقلت به ، وراقبت حركات العالم الغربي ، وجرت معه حيثما جرى في مضمار المدنية والحضارة ، وقرنت إلى فتوحاتها المادية ، القوة العلمية ، على نحو ما فعلت اليابان أقله ، لما كان ثمة مسألة شرقية ، أو لما ظهر ذلك التباين الذي لا يثبت معه الحكم طويلًا ، وهو تحكّم الجهل بالعلم ، أو حكومات جهل تحكم حكومات علم ، ولا يتسنى اليوم للسيف المجرّد أن يحكم بأمّة يدافع عنها مدافع العلم » . الإسلام والاستعماروقال : « التزم الأتراك ، والسلاطين العظام منهم جانب الدين ، وكان على منصة المشيخة الإسلامية علماء أعلام ، وفقهاء ، وأجلّاء عالمون عاملون بحقيقة الإسلام وأحكامه ، فعدلوا في الرعية ، وأمنوا من دخل في ذمّتهم ، وسهّلوا لهم الصعاب ، وحافظوا على جامعتهم من دين ولسان وعادة ، فرضخ المستعمرون ( بالفتح ) من الطوائف النصرانية لقوة العثمانيين وعدلهم وعلمهم بالنسبة لجهل غيرهم في تلك الأعصر . فظل النصارى في طاعة العثمانيين ، وظلوا في كل المعاني رعية لهم ما دامت تلك المؤهلات والصافت في الفريقين ، القوة والعلم في الحاكم ، والضعف والجهل في المحكوم . حتى إذا انعكس الأمر وبان الجهل مصدر الضعف في الأمة الحاكمة وظهر العلم مصدر القوة في الأمم المحكومة ، نهضت للتخلّص من ربقة الاستعباد لمن دونهم في العلم ، واستبسلت في الرجوع لحكم ذاتها بذاتها . وقد سهّل عليهم كل صعب في هذا السبيل ، إقرار الدولة لهم جامعاتهم الكبرى ، من دين ولسان وتاريخ ، تلك النعمة التي كانت وتكون على الدولة أكبر نقمة ، ولا مناص لها من تحمّل أعباء ذلك ، وهي سنّة الوجود » .
العروة الوثقى — صفحة 80
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٨٠