تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
تتمتع هذه المناطق بما يشبه الإداراة الذاتية كما كانت الأمور في مصر قبل الاحتلال البريطاني . وكان الأفغاني يرى أن هذا الوضع سينعش الأوضاع في أجزاء الدولة ويجعلها أكثر قدرة على التحرك والنهوض وأن ذلك في النهاية قد يدفع بإيران وأفغانستان إلى اللحاق بالاتحادية الإسلامية الناهضة . ولكن عبد الحميد - كما يذكر الأفغاني - رفض الفكرة وأبدى عدم قناعته بها . لا يمكننا - على الإطلاق - أن نقول إن الأفغاني عاش حياة ، وترك رؤية ، صائبتين بلا أخطاء ، فقد كان مثله مثل كل عظام التاريخ ، أخذ قيمته من أن عموم مسيرته ورؤيته كانت صحيحة إلى حدّ كبير ، وأنه حاول حتى الرمق الأخير أن يحقّق ما آمن به . لقد فهم الأفغاني جوهر الغرب الاستعاري فقاتل ضده بصلابة ، في الهند ومصر وإستنبول وإيران ومع الحركة المهدية في السودان ، وأدرك أهمية وحدة الأمة من جديد فحمل راية الوحدة في كل قطر حلّ به وأمام كل حاكم التقاه . وأدرك سرّ التخلف والتهاوي في العالم الإسلامي ؛ ولذا فقد كان نقديّا متقدمًا وحضاريًا مبدعًا . كان بلا شك مدافعًا صلبًا عن الحرية وعن دور الشعوب في إدارة شؤونها . أستاذ الروادويستطيع الباحث اليوم أن ينظر إلى القرن الأخير من تاريخ أمتنا فيجد أن جيلًا بأكمله من روّاد النهضة الإسلامية الحديثة من محمد عبده إلى عبد العزيز جاويش وعبد الله النديم ومصطفى كامل كانوا جميعًا من تلاميذه ، وأن الثورة العرابية في مصر وثورة الدستور في إيران كانتا أثرًا من آثاره ، بل إننا نستطيع القول إن النهضة الإسلامية المعاصرة ، من إيران إلى مصر ، تنتمي جميعها إلى الأفغاني انتماءً شرعيّا . وفي أوراقه التي وجدت بعد وفاته بسنين عديدة ، كشفت بعض القصائد الشعرية التي كتبها جمال الدين ولم يهتم بنشرها في حياته وفي إحداها يقول :