أفكار الأفغاني تعمّ الأمّة
في عام 1886 غادر جمال الدين پاريس إلى إيران ومنها إلى روسيا ثم إيران ثم لندن لحوالي عام . وفي سنة 1360 ه / 1892 م عاد ثانية إلى إستنبول ، فوجد حظوة كبرى لدى السلطان عبد الحميد الذي كان قد تولّى الحكم في سنة 1876 م ، وكان قلقًا مهمومًا وهو يدرك خطر أوروپا على السلطنة التي صمدت وحمت حدود الوطن لأكثر من ثلاثة قرون ، وقد جاء الزمن الذي طغت فيه سلبيات تكوينها على إيجابياته فيما أوروپا في أوج قوّتها وصعودها وأنظارها تكاد تلتهم الدولة العثمانية بما فيها . كان عبد الحميد يدرك أن إنقاذه البلاد لن يأتي إلا إذا استطاع أن يعيد توحيد الأمة والبلاد حوله ، توحيدًا حقيقيا نهضويا أكثر منه توحيدًا سياسيا . وكان عبد الحميد يعرف تاريخ الأفغاني ونضالاته واتصالاته الوثيقة بكل أجزاء الوطن الإسلامي من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، هكذا بدأت العلاقة القصيرة المضطربة بينهما . الأفغاني من جهته كان مناضلًا واقعيا ، يدرك ما في الدولة العثمانية من سلبيات وعوامل تدهور ، وكان يعرف أثر الإرث التاريخي لالتفاف الأمّة حول سلطانها ، وحتى قبل أن تبدأ علاقته المباشرة بعبد الحميد ، كان واضحًا في « العروة الوثقى » وهو يبدي تأييده للسلطان ويدعو للالتفاف حوله في الوقت الذي كان يوجّه فيه الانتقاد لسلبيات الحكم وانحرافاته . وفي الأستانة بعد قليل من وصوله بدأت الأمور تنكشف أمامه ، كان عبد الله النديم الصحفي والأديب والثائر المصري قد سبقه منفيّا من مصر إلى الأستانة وكان واحدًا من تلامذته في القاهرة ، أوضح له منذ البداية أن الأمور لن تكون بالسهولة