تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
وأن لهم رأيًا يرجع إليه فيها ، لم يحسّ أحدٌ منهم ولا من أعضاء المجلس أنفسهم بأن لهم ذلك الحق الذي يقتضيه تشكيل هذه الهيئة الشورية . . . هل كان يمكن لأحد أن يعمل على خلاف ما يؤمر به ! هل كان يمكن لشخص أن يميل بفكره عن الطريق التي رسمت له ، أو الوجهة التي يتوجّه إليها الحاكم ! لو حدثه الفكر السليم بأن هناك وجهة خير من ذلك ؟ هل كان يمكنه أن ينطق بما حدّثه به فكره ؟ كلا فإنه كان ، بجانب كل لفظ نفي عن الوطن ، أو إزهاق للروح ، أو تجريد من المال . . . . وبينما الناس على هذا ، لا كاتب ينبههم ولا خطيب يعظهم ، إذ عرض أمر قلما يلتفت إليه ، وإن كان مما جرت به السّنة الإلهية في كل زمان . جاء إلى هذه الديار في سنة 1286 ه رجل غريب بصير في الدين ، عارف بأحوال الأمم واسع الاطّلاع ، جمّ المعارف جريء القلب ، وهو المعروف بالسيد جمال الدين الأفغاني ، اشتغل بالتدريس لبعض العلوم العقلية . . وكان طلبة العلم يتنقلون بما يكتبونه من تلك المعارف إلى بلادهم أيام البطالة ، والزائرون يذهبون بما ينالونه إلى أحيائهم ، فاستيقظت مشاعر ، وانتبهت عقول ، وخف حجاب الغفلة » . أخصب السنوات‌في مصر أمضى جمال الدين أخصب سنوات حياته وأكثرها إنتاجًا وأثرًا ، فقد اهتم بالإسلام علمًا وتراثًا ، وكشف أمام من التفوا حوله واستمعوا له قيمة أن يبعث تراث الأمة في عصرنا المزدهر من جديد ، وقيمة أن تتمثل الأمة تاريخها وتراثها لتنهض في مواجهة الاستعمار الغربي ، وقد أدرك أن حالة الهبوط والانحطاط قد أصابت كل أدوات الحضارة بما فهيا اللغة وأسلوب الخطاب . ومن حول الأفغاني نشأت لغة جديدة وبلاغة جديدة ، وفي فترة قصيرة أخذ أصدقاء وتلاميذ جمال الدين يصدرون الصحف والمجلات التي أثّرت تأثيرًا كبيرًا في الحياة الفكرية والسياسية في مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .