تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
كابول إلى أن وافقت الحكومة على طلبه بمغادرة البلاد مشترطة عدم ذهابه إلى إيران حتى لا يلتحق بمحمد أعظم خان الذي كان يعيش منفيا فيها . ولم يكن أمامه من طريق إلا الهند ، حيث كان الإنجليز يحتلون البلاد ويحتفظون له بملف عدائه ومحاربته لنفوذهم في كابول . ورغم استقبال العلماء والوجهاء وقادة الرأي من المسلمين الهنود له ، ورغبتهم في لقائه والالتفاف حوله وهو الذي سبقته أخباره إليهم ، إلا أن حكومة الهند البريطانية لم تكن مطلقًا على استعداد لتحمّل بقائه ، وبعد أشهر فقط من وصوله إلى الهند ، كان الإنجليز يضغونه على إحدى سفنهم المسافرة إلى مصر سرّا حتى لا يثور الناس . وفي عام 1869 م وصل السيد جمال الدين الأفغاني إلى القاهرة ، وكانت تموج يومها بالأحداث والتيارات ، ما بين أوروپا الزاحفة ببريق مدنيتها وصعودها المادي والأستانة حيث الانتماء التاريخي السياسي وحلم بقاء الإسلام والمسلمين ، وما بين أمة تريد حقوقها في الحرية الحقيقية والعدالة وقصر الخديو المتردد بين الخوف على السلطة وأحلام الإمبراطورية التي غذتها جفرافيا مصر ومركزها العظيم . وفي القاهرة التفّ حوله الناس ، من طلاب الأزهر إلى كبار رجال الدولة والسياسة ، ولكن مشروعه كان يتبلور في ذهنه ، والصقر المحلّق الساكن روحه ، يدفعه إلى موقع آخر ، كان جمال الدين الأفغاني قد بدأ يدرك آفاق أزمة الأمة وتخلّفها وتكالب دول الغرب عليها ، ووجد أن الأمل في الإصلاح ، إن كان ما يزال هنالك وقت لذلك ! لا بد أن يبدأ من المركز من الأستانة . وهكذا بعد أربعين يومًا فقط من الإقامة في القاهرة ، كان السيد جمال الدين يحمل كتبه التي رافقته إلى كل محطات رحلته ويبحر إلى الأستانة عاصمة الدولة العثمانية ، ولم يكن السلطان عبد الحميد قد تولّى الحكم بعد . وقد استقبلته الإستانة في استقبالًا حارًا وعيّن هناك عضوًا في « المجلس الأعلى للمعارف » وبدأ نشاطه الواسع ، ثقافيًا بشكل أساسي وسياسيّا بشكل ثانوي ، وكان في محاضراته وندواته وأحاديثه يركّز على تحرير الإسلام من التواكل والفكر من الخرافة ويدعو إلى عقلانية الفكر الإسلامي وبرهانيته . ولكن الأمور لم