تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
« إنني كصقر محلّق ، يرى فضاء هذا العالم الفسيح ضيّقًا لطيرانه ! وإنني أتعجب منكم إذ تريدون أن تحبسوني في هذا القفص الضيّق الصغير » . كان القرن التاسع عشر قد بدأ في قطع سنوات نصفه الثاني حين بدأ جمال الدين رحلته الطويلة المرهقة ، وكانت أوروپا قد سارت شوطًا هائلًا في مشروعها التصنيعي الداخلي ومشروعها الاستعماري الخارجي ، لقد زحف الغرب الاستعماري على العالم فاحتل معظم أجزاء إفريقيا والهند وشمال إفريقيا الإسلامي - ما عداليبيا - وكان يطمح إلى أن يدمّر ما تبقى من الوطن الإسلامي بتدمير الدولة العثمانية ، وبالتالي بسط هيمنته على كل العالم القديم . وفي كلكتا حيث قضى الأفغاني حوالي العام في العلم والدراسة ، كان واقع الرحلة يحيط به من كل الجهات . وقد مضى من الهند إلى جدة حاجا وهو في حوالي التاسعة عشرة من عمره ، ومنها إلى النجف وكربلاء ، ثم إلى بلدته أسد آباد وإلى طهران ثم خراسان ومنها قرر التوجّه إلى أفغانستان حيث استقر في كابول وبدأ حياته العامة هناك كما يقول د . محمد عمارة - ألف أول كتبه حول تاريخ أفغانستان ، وقد كتبه بالعربية وسماه ( تتمة البيان في تاريخ الأفغان ) . كانت أفغانستان في ذلك الوقت ميدانًا للدسائس الإنجليزية ، حيث كان الاستعمار البريطاني يأمل في السيطرة عليها بإذكاء الصراع بين أمرائها وشحن أحدهم ضد الآخر ، وقد دخل الأفغاني إلى حمى الصراع الذي كان طرفاه حينها الأمير دوست محمدخان ، وثيق الصلة بالاستعمار البريطاني ، والأمير محمد أعظم خان الذي كان معادياً للإنجليز . وقد انحاز الأفغاني للجانب المعادي للإنجليز وكان ذلك أول موقف سياسي له وأول خيار واع لازمه حتى نهاية حياته . استمرت حياة الأفغاني في أفغانستان حتى 1868 م . أثناءها تولى منصب الوزير الأول - كما يقال ! - في حكومة الأمير محمد أعظم خان ، وخاض حرب 1862 م ضد دوست محمدخان وجماعته . وقد انتقل التأييد الإنجليزي بعد وفاته ، إلى شير على خان الذي استطاع أخيراً إيقاع الهزيمة في معسكر محمد أعظم ، وكان ذلك مقدمة الشدّة على الأفغاني الذي عزل من كل مناصبه وعاش محاصرًا مراقبًا في