وقد يدأ العمل بإصدار صحيفة « مصر » التي ترأس تحريرها أديب إسحاق ، ثم « التجارة » باسم إسحاق وسليم النقاش معًا ، و « امرأة الشرق » التي أصدرها تلميذه إبراهيم اللقاني . وكان الأفغاني يدرك أن حسم قضية مصر لن يكون في نهاية الأمر إلا باستنهاض شعب مصر ، وفي كل ندواته ومحاضراته كان يوجّه حديثه مباشرة للمصريين ، كل المصريين ، لأن يقفوا من أجل حقوقهم ضد طبقة المترفين من الشراكسة وباقي المماليك ، وأن يعوا أطماع المستعمر الأوروپي التي كان يراها تهدد كل مستقبل مصر . وبعد زمن قليل كان الأفغاني يؤسس أول وأهم أحزاب مصر الحديثة « الحزب الوطني » الذي ضم معظم وجوه الرأي والفكر وأحرار السياسة والجيش في مصر . وقد كان هذا الجيش هو الأب الشرعي لثورة عرابي عام 1881 م . ولكن قنصلي الدولتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا أدركا بعد زمن قصير أي عاصفة تلك التي تتجمع تحت عباءة السيد جمال الدين ، وبدأت حملة من الدسّ والتحريض لدى الخديو توفيق الذي لم يكن بحاجة إلى كثير من التحريض . فالرجل - الأفغاني - كان خطرًا على مصالح الاستعمار الأوروپي بالدرجة نفسها التي كان يشكّل فيها خطرًا على أدوات الاستعمار ، ولم تكن تجربته في أفغانستان ببعيدة عن أذهان كل الأطراف . وفي ليل حار من ليالي القاهرة في 24 آب ( أغسطس ) 1879 م ، اقتيد الأفغاني وحيدا من أمام منزلة إلى مركز الشرطة ، ومع أول شعاع للفجر أخذ إلى قطار السويس ، وفي ميناء المدينة أركب أول سفينة مغادرة بر مصر . في القاهرة كان الخديو ورجاله يغطون فعلتهم بسيل من الاتهامات والطعن في ظهر الرجل الذي كان قبلها بأيام قليلة فقط نجم مصر في الفكر والسياسة . كان ما حدث في ذلك الصيف القاهري الحار انقلابًا حقيقيا قامت به السفارات الأجنبية والقصر على قيادة الشعب المصري الجماهيرية لإجهاض حركته المتوقعة ، ولكن الانقلاب لم يكن كاملًا ، فبعد عامين فقط كان تلاميذ الأفغاني يتصدّون لتوفيق ويضيئون تاريخ مصر الحديثة في ثورة عرابي . وصلت سفينة الأفغاني إلى بومباي التي قضى فيها حوالي العامين عاملًا بجهد
العروة الوثقى — صفحة 65
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٦٥