تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
تجر مجرى حسنًا ، فقد بدأ الوهج الذي أحاط به يثير الحسد والغيرة في عاصمة كانَت تعيش آخر مراحلها وقد تحوّلت من عاصمة للقوة والفتح إلى مركز للتآمر والدسائس والأطماع من كل جهة . وكانت محاضرته التي ألقاها في دار الفنون - مثل كلية للتكنولوچيا في وقتنا الحاضر - والتي تحدّث فيها عن « الصناعات » موضحًا أفكاره حول النهضة ، كانت تلك المحاضرة بداية لعاصفة كبيرة كانت نذرها تتجمع حوله منذ زمن ، وقد تطورت الأمور إلى أن انقسمت الأستانة إلى معسكرين ، أحدهما مع الأفغاني والثاني مع شيخ الإسلام الذي كان يمثّل السلطة الرسمية الدينية في الدولة التي تسيطر عليها المتصوفة والفكر الصوفي منذ زمن بعيد . ومع اشتداد الهجوم عليه طلب منه السلطان مغادرة الأستانة لفترة مؤقتة ريثما يهدأ الضجيج المثار حوله ، فغادرها ليصل القاهرة مرة أخرى في آذار ( مارس ) 1871 م . مؤازرة محمد عبده‌يقول الشيخ محمد عبده صديق جمال الدين ورفيقه وتلميذه لفترة طويلة من الزمن واصفًا مصر في تلك الفترة ووصول الأفغاني إليها : « إن أهالي مصر قبل سنة 1293 ه - 1877 م كانوا يرون شؤونهم العامة بل والخاصة ملكًا لحاكمهم الأعلى ، ومن يستنيبه عنه في تدبير أمورهم يتصرّف فيها حسب إرادته . . ولا يرى أحد منهم لنفسه رأيًا يحقّ له أن يبديه في إرادة بلاده . . أو إرادة يتقدّم بها إلى عمل من الأعمال يرى فيه صلاحًا لأمته ، ولا يعلمون من علاقة بينهم وبين الحكومة سوى أنهم محكومون مصروفون فيما تكلّفهم الحكومة به وتضربهم عليه ، وكانوا في غاية البعد عن معرفة ما عليه الأمم الأخرى سواء كانت إسلامية أو أوروپية ، ومع كثرة من ذهب منهم إلى أوروپا وتعلم فيها من عهد محمد علي إلى ذلك التاريخ الذي ذكرناه 1877 م ، لم يشعر الأهالي بشيء من ثمرات تلك الإسفار ولا فوائد تلك المعارف التي اكتسبها ، ومع إسماعيل باشا أبدع « مجلس الشورى » في مصر سنة 1283 ه - 1866 م وكان من حقه أن يعلم الأهالي أن لهم شأنًا في مصالح بلادهم