الأعمال المصرية مع قضاء بعض أو طارهم فيطلبون إلى الدول تشكيل مراقبة عمومية وترك مصر وشأنها مع بقاء شرذمة من عساكرهم في وادي حلفا لصيانة الحدود المصرية بعد طرد الجند الوطني ( كما صانوا سائر الممالك الهندية بأمثال هذه الشرذمات ! ) ويتوهمون أنهم يلهون الدول بهذه الأضحوكة ، ومن جهة أخرى يبتغون إقناع أنفسهم وإقناع الأمة الإنجليزية بأوهام خيالية وترهات صبيانية يجعلونها أساسًا لسياستهم في الممالك الهندية . من ذلك ما اعتمده اللورد دوفرين ( ذلك السياسي المشهور الذي أفسد شؤون مصر ) قاعدة متينة لصون الممالك الهندية . بعد أن عين حكمدارًا عليها ، قال في مقال ألقاه في ( بال فاست ) : أنه يعد نفسه سعيدًا بمعرفته الخصوصية لمسيو چيرس وزير خارجية روسيا ، ثم أثنى عليه بحدة تنبىء عن الإخلاص ، وقال : إني أرى لمسيو چيرس رغبة صادقة في حصول المصافات بين روسيا والإنجليز ورفع الشقاق بينهما ، وبالغ في القول حتى قالت جريدة ( الميموريال دبلوماتيك ) بعد ذكر تهنئة روسيا للورد دوفرين على الوظيفة الجديدة : إن اللورد مكلف بعقد وفاق تعين به مهلة لتلاطم الدولتين المتنازعتين في آسيا الوسطى بعد تحديد تخوم أفغانستان من طرف الشمال . هذا ما اندفع إليه جناب اللورد بقوة الاضطراب وشدة الشغف بتسكين خواطر الشعب الإنجليزي وتغرير العقول في الهند وإرضاء القلوب عن سياسة الحكومة وربما إرضاء نفسه أيضا ، والقارئ يعلم من هذه الحالة مقدار العجز الملم بسياسيي بريطانيا حيث طفقوا يجعلون من مباني سياستهم في الشرق معرفة شخصية بين حاكمهم في الهندو بين وزير روسيا الذي لم يخط خطوة في الشرق إلا وغايتها الهند ولم تتقدم قدمًا إليه إلا بعد عهد ينكث وميثاق ينقض . فإن حلف وزير روسيا للورد هذه المرة لا يختلف هذا اليمين عن اليمين السابقة ، على أن المحبة الشخصية لا قيمة لها في السياسات الكلية وما سرور الإنجليز بها إلا من آثار الذهول وسر سأم العقول . وأعجب من هذا أن جلادستون يرفع صوته بين شعبه بقوله : إن من ضعف العقل أن يظن الوهن في إمبراطورية الإنجليز أو يترقب بها الضعف في المستقبل وإن بسطة الدول مما يوجب بسطة إنجلترا . عجبا ! ! فإذا انبسطت روسيا إلى الهند فإلى أين تنبسط إنجلترا ، أظنها تنقبض ، لا تنبسط ، ويقول : إن يوما تشعرون فيه بالخوف
العروة الوثقى — صفحة 461
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٦١