اللورد نورث بروك وزبانيته يسعون لجلب قلوب الأهالي بتزيين الأماني وتخييل الآمال . « يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً » [ النساء : 120 ] ، ليتخذوا من ميل المصريين حجة يجادلون بها الدول ويثبتون لأنفسهم حقا قانونيا في الإقامة بمصر ، ثم من جهة أخرى يحشدون قوة عظيمة إلى مصر استعدادًا لتلقي الحوادث المنتظرة لكن تحت اسم إنقاذ چوردون ، فلو وجد الإنجليز برهانا من الحيلة ومنعة بالقوة وحملهم الغرور والكبرياء على مشاورة الدول اعتمادًا على عدم الاتصال في البر وتمكنهم من المراكز الحربية في البحر كمالطة وقبرص ، وأن تحارب الدولة العثمانية ، فهم أقدر الناس على محاربتها من جهة العريش وفي عموم السواحل ، فماذا تكون العاقبة ؟ هل تكظم الدول غيها وتترك الإنجليز وشأنهم . لا نظن ذلك ولكن إذا حالت الموانع دون نكاية الإنجليز في مصر عمدت الدول إلى نكايتهم بالحصول على غنيمة تعادل مصر ولا تكون إلا تكون في بلاد المسلمين ، فتساهل أصحاب الحق الشرعي في وادي النيل يضيع لهم حقوقا أخرى في غيره . إن الدولة العثمانية أولى من سائر الدول بالعمل في المسألة المصرية وأجدرهم بالاهتمام بها ، ومن الواجب أن تكون أشد حرصا على الظفر بالإنجليز فيها . إن الدولة في مقام المدافع عن حياته وهو بحكم الطبع أقوى باعثا وأدني للعمل من طلب الفائدة ، إن شرا يقع أولى بالتلافي من شر يتوقع ، وإن خطرًا عاجلًا أحرى بالالتفات من وهم باطل نفوس المصريين في هياج فإن ما أفسد قلوبهم على الإنجليز من سوء التصرف في الحكومة واستلام إداراتها وإبطال الحقوق الوطنية وحشد الجيوش إلى البلاد لقصد التمكن فيها ، كل هذه سهام خرقت شغاف القلوب وزاد الجراح نغراً ما اعترفت به جريدة التايمس من اشتداد الارتباك وتعطل أسباب المعيشة ووقوف دولاب التجارة وإشراف العائلات الكبيرة على الافتضاح خصوصاً الذين كانوا في خدمة أو طانهم وحرموا منها . فلو أحس المصريون وهم في هذه الحالة بحركة خفيفة من دولتهم ( العثمانية ) لكفوها شر الإنجليز وقليل من العمل فيه الكفاية . واليوم يتوجه الإنجليز إلى السودان ، فلو لمحوا ثباتًا من العثمانيين لوقفوا
العروة الوثقى — صفحة 458
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٥٨