عارضت الدول أم لم تعارض ، وضياع القطر المصري هو ضياع الكل كما أشرنا إليه مرارا وكما يشهد به موقع البلاد المصرية من سائر بلاد المسلمين ، وإن خاب الإنجليز في منازلة الثائرين فليس يخفى على عقل عاقل ما يترتب على هذه الخيبة وما ينشأ عن غلبة محمد أحمد وأتباعه وانهزام العساكر الإنجليزية ، وربما كان هذا الأمر الثاني ، سببا لمداخلات أجنبية في جميع أقطارنا . ليس من الصعب على الدولة العثمانية ولا على الحكومة المصرية أن تظهرا شيئا من الشدة وتأخذا بجانب من القوة ، وتقفا على قدم الثبات ودولة إنجلترا في تخبط مع الدول وارتباط بالسودان ، والمسلمون من جميع الأقطار في هياج شديد ، لو قامتا بما يسهل عليهما لحفظ لهما الموجود ورد المفقود ، وسدت أبواب المطامع ، وأخذت الدولة العثمانية مكانًا من القوة تخشع له قلوب الجبارين ، ولازدادت بذلك ثقة المسلمين وانبعثت آمالهم . سلكت جريدتنا مذهب الصدق في بيان حال الإنجليز مع الدولة العثمانية وأثبتت عن بصيرة وكمال خبرة أن الإنجليز يهابون منافرة الدولة ويخشون سوء مغبتها . جريدتنا تنادي بذلك من يوم صدورها بينا أن للدولة سلطة معنوية في الهند لم تبلغها حكومة الإنجليز بعد إفراغ جهدها . هذه حقيقة الأمر ومع ذلك لا ندري سر هذه السياسة اللينة التي لا نرى لها أثرًا إلا في الأوراق وتحت أسنة الأقلام والإنجليز يقاتلون ويتملكون وتزداد أقدامهم رسوخًا يومًا بعد يوم وانطلق بهم الغي إلى أن أطالوا أيديهم إلى الأوقاف المصرية يطلبون التصرف في خزينتها والقيام على إدارتها ، نعيد الكلام مرة أخرى ونقول إن جميع المسلمين في الأقطار الهندية وما يتاخمها قائمون على قدم وساق متهيئون لمواثبة أعدائهم وسالبي حقوقهم فبثبات ما من اللدولة العثمانية مظهر له أثر عظيم يضطر الحكومة الإنجليزية إلى ترك مصر ، وليس للدولة أن تضيع هذه الفرصة فقلما يأتي الزمان بمثلها ، الدول متألبة على الإنجليز وروسيا مشرفة على الهند ، والهنديون في هياج ، وخطب السودان غير يسير ، فإن لم تأخذ الدولة حقها من الإنجليز في هذا الوقت ، فمتى ؟ !
العروة الوثقى — صفحة 444
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٤٤