يجتمع لها القياصرة الثلاث كف روسيا عن مطامعها في أوروپا وإطلاق العنان لها في آسيا والأقطار الهندية . أليس من الممكن أن مناوأة الدول للإنجليز تنتهي بسلب جزء أو أجزاء من أراضي المسلمين في مقابلة تمكن الإنجليز في أراضي مصر . نبهت بعض الجرائد المهمة على شيء من هذا وصرحت بما لا ينطق اللسان بذكره . إن للدول اهتماما بنكاية الإنجليز ومن أعظم البواعث على اجتماع القياصرة خروج إنجلترا عن حدها في الاستئثار بالمنفعة على غيرها لكن أليس من الواجب على صاحب البيت أن يبدأ بعمل في الذود عن بيته قبل أن يساعده الجيران خصوصا إن كان للجيران أطماع متنوعة بعضها يمنع عن المساعدة وبعضها يحمل على التواني وتأجيل العمل لأوقات أخري وما يدرينا لو حولنا الأمر إلى الجار لينقذ المغصوب من يد الغاصب لعله بعد استخلاصه يختص به لنفسه فما الذي جنيناه من ثمار مساعيه وأية فائدة حصلناها . لو شحت الحكومة المصرية بحياتها ، وأبصرت أن بقاءها في إبائها ، وترفعت عن هذا الخضوع البارد ، وتجافت عن تسهيل الطرق ، وتمهيد السبل ، لمسير العساكر الإنجليزية ، ثم قامت الدولة العثمانية على المطالبة بحقوقها ، وذهبت في الطلب مذهب العمل ، ولم تكتف بلوائح تسطر ، وحجج تنشر ، ولم تستند على سفرائها الذين ليس لهم خوض حقيقي إلا في ملاذهم وشهواتهم ، لو كان كل هذا لشاركت الدولة العثمانية ومعها حكومة مصر سائر الدول في معاكسة إنجلترا ، وحيث إن للدولة العثمانية والحكومة المصرية الحق الأول والملكية الشرعية في تلك الأقطار فما يكون منهما من الأعمال يكسبهما تخليص البلاد ، فإن الدول تكون في عونهما ولا حق لواحدة منها فيما بعد أن تستأثر عليهما . إن إقدام الدولة على العمل وعدول الحكومة المصرية عن مسلكها المضر بها مما يقرب المسافة ويقصر المدة ويقوي حجة الدول في مطاردة إنجلترا - لو تساهلت الدولة العثمانية واطمأنت الحكومة المصرية لحالتها الحاضرة فبأي وجه تؤمل الحكومتان نفعا من مطاردة الدول ؟ ! على فرض لو استخلصت مصر من أيدي الإنجليز ماذا يبعث الدول على مقارعة دولة عظيمة كدولة بريطانيا لتسلبها ملكا عظيما ثم تسلمه للدولة العثمانية أو الحكومة المصرية . لا نتحاشى أن نقول إن الدولة العثمانية والحكومة المصرية واقعتان بين خطرين عظيمين ، إن فاز الإنجليز في السودان فقد ضاع القطر المصري ، واستقر فيه السلطان لحكومة إنجلترا ، سواء
العروة الوثقى — صفحة 443
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٤٣