بينما الإنسان - مطلق الإنسان - وليس ( الفرد ) أو ( الطبقة ) - مستخلف في هذه الأموال والثروات ، له فيها ملكية الحيازة ، والاستثمار ، والاستمتاع ، في إطار بنود عقد وعهد الاستخلاف . . في إطار التكافل بين سائر أعظاء سد الأمة الواحد . . ولقد ميز الأفغاني بين هذه ( الاشتراكية الإسلامية ) ، التي دعا إليها الإسلام ، وبين ( الاشتراكية الغربية ) ، التي هي نزعة انتقامية فوضوية ، مثلت إفراط المستغلين ، ضد تفريط ملاك رأس المال المستغلين . . فكتب - وكأنه يتنبأ بما حدث للمنظومة الماركسية بعد قرن - يقول : « إن ما تراه الاشتراكية في الغرب ، وما تتوخاه من المنافع بذلك المذهب ، في شكله الحاضر ، وأسسه ، وتخبط واضعي مبادئه ، كل ذلك يعكس نتائج الاشتراكية ، ويجعلها محض ضرر ، بعد أن كان المنتظر منها كل نفع . . فالاشتراكية الغربية ، ما أحدثها وأوجدها إلا حاسة ( الانتقام ) من جور الحكام والأحكام ، وعوامل الحسد في العمال من أرباب الثراء ، الذين إنما أثروا من رواء كدهم وعملهم ، وادخروا كنوزهم في الخزائن ، واستعملوا ثروتهم في السفه ، وبذلوها في السرف والتبذير والترف ، على مرأى من منتجها ، والفاعل العامل في استخراجها من بطون الأرض ومن ترابها ، وبالاختصار ، ثمرات عمل العمال بكل أنواع حاجة العمران . فكل عمل يكون مرتكزًا على الإفراط لا بد أن تكون نتيجته التفريط . . أفرط الغربيون ( الأغنياء ) بنبذ حقوق العمال والفقراء وراء ظهورهم ، فأفرط العمال بمناهضة أهل الثروة وغاصبي حقوق الأمة ، بالمناصب ومسببات الحياة ، فلا قاعدة دينية يرجع إليها ، ولا سلطان وازع يعمل بقهر لصالح المجموع ، لذلك أصبح أمرهم في الاشتراكية فوضى ، ولسوف ينعكس أمرها ! أما الاشتراكية في الإسلام ، فهي خير كافل لجعلها نافعة مفيدة ، ممكنا الأخذ بها ، لأن الكتاب الديني ، وهو القرآن ، أشار إليها بأدلة كثيرة ، منها أن المسلم أول ما يقرأ من فاتحة الكتاب : « الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » فيعلم أن للخلق ربا واحدًا وهو مع سائر الخلق من المربوبين على السواء . . ومنها أن القرآن قد بين حقوق
العروة الوثقى — صفحة 44
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٤