تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
كشف جمال الدين الأفغاني هذا الوجه القبيح لهذا التنوير اللاديني . . ثم تألقت شجاعته الجسورة عندما شن الهجوم على هذا التنوير ، وعلى الثورة الفرنسية - التي كانت تجسيدًا لفلسفته - وذلك في الوقت الذي كان فيه المتغربون - من الليبراليين واليساريين - يتعبدون في محاريب الثورة الفرنسية وفلسفة الأنوار الغربية ، ويوم أن كان جمهور المثقفين والساسة في كل أرجاء الأرض يتحدثون بإعجاب تخالطه القداسة عن فلاسفة التنوير الغربي - من أمثال ( قولتير ) ( 1694 - 1778 ) و ( روسو ) ( 1712 - 1778 م ) - كتب جمال الدين عن هذين الفيلسوفين ، وعن فلسفتهما يقول : « لقد ظهر قولتير وروسو يزعمان حماية العدل ومغالبة الظلم ، والقيام بإنارة الأفكار وهداية العقول ، فنبشا قبر ( أبيقور ) الكلبي [ 1 ] ( 341 - 270 ق . م ) وأحييا ما بلي من عظام الدهريين ، ونبذا كل تكليف ديني ، وغرسا بذور الإباحية والاشتراك ، وزعما أن الآداب الإلهية جعليات خرافية ، كما زعما أن الأديان مخترعات أحدثها نقص العقل الإنساني ، وجهر كلاهما بإنكار الألوهية ، ورفع عقيرته بالتشنيع على الأنبياء . . فأخذت هذه الأباطيل من نفوس الفرنساويين . . فنبذوا الديانة العيسوية . . وفتحوا على أنفسهم أبواب الشريعة المقدسة ( في زعمهم ) ، شريعة الطبيعة . ولقد بذل ناپوليون الأول جهده في إعادة الديانة المسيحية إلى الشعب ، استدراكًا لشأنه ، لكنه لم يستطع محو آثار تلك الأضاليل ! » . فالإسلام هو الحل . . وهو سبيل الإصلاح . . وطريق التقدم والنهوض . . وليس هذا التنوير اللاديني ، الذي عرفته الحضارة الغربية كرد فعل لاستبداد الكنيسة ولا عقلانية لاهوت نصرانيتها . * * * وفي مواجهة العقلانية اللادينية ، التي دعا إليها التنوير الوضعي الغربي ، ذلك الذي انطلق فلاسفته من دعوى الثنائية المتناقضة بين ( العقل ) و ( النقل ) . . دعا الأفغاني إلى إحياء العقلانية الإسلامية المؤمنة ، لأن الإسلام وحضارته لم يعرفا هذه الثنائية المتناقضة التي حكمت التنوير الغربي في هذا الميدان . .
هامش
[ 1 ] . أبيقور : فيلسوف يوناني ، أنكر العناية الإلهية ، وجعل السعادة الإنسانية في اللذة .