تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
فالنقل الإسلامي - القرآن الكريم - هو الذي يعلي من مقام العقل ، ويحتكم إليه ، ويجعله مناط التكليف . . بل إن هذا النقل الإسلامي هو ، قبل كل شيء ، معجزة عقلية ، تحتكم إلى العقل ، وليس معجزة مادية تدهش العقل وتشله عن التدبر والتفكير . . ثم إن المقابل ( للعقل ) - في العربية والإسلام - ليس ( النقل ) ، وإنما هو ( الجنون ) . . فلامكان لهذه الثنائية في فكر الإسلام ، ومن ثم فإن للإسلام عقلانية المؤمنة ، التي تآخت مع الشرع ، فتزاملا كسبيلين وهدايتين للإنسان ، وهما ، مع ( التجربة ) و ( الوجدان ) يمثلون الهدايات الأربع التي بشرها الله ، سبحانه وتعالى ، للإنسان ، عندما استخلفه لعمارة هذا الوجود . . دعا جمال الدين الأفغاني إلى إحياء هذه العقلانية الإسلامية المؤمنة ، التي ترفض جمود الوقوف عند ظواهر النصوص ، كما ترفض الغلو في التأويل ، ذلك الذي يفرغ الدين من الدين ! . . ويقف بالإنسان عند ظواهر الحياة الدنيا . . وكتب عن هذه العقلانية فقال : « فهذا الدين الإسلامي يطالب المتدينين أن يأخذوا بالبرهان في أصول دينهم ، وكلما خاطب العقل ، وكلما حاكم إلى العقل ، تنطلق نصوصه بأن السعادة من نتاج العقل والبصيرة ، وأن الشقاء والضلالة من لواحق الغفلة وإهمال العقل وانطفاء نور البصيرة . . فالعقل مشرق الإيمان ، ومن تحول عنه فقد دابر الإيمان ، وإن هناك فرقا بين ما لا يصل العقل إلى كنهه فيعرفه بأثره ، وبين ما يحكم العقل باستحالته ، فالأول معروف عند العقل يقر بوجوده ، ويقف دون سرادقات عزته ، أما الثاني فمطروح من نظره ، ساقط من عتباره ، لا يتعلق به عقد من عقوده . فكيف يصدق به وهو قاطع بعدمه ؟ ! إن أول ركن بني عليه الدين الإسلامي : صقل العقول بصقال التوحيد ، وتطهيرها من لوث الأوهام . . وسعادة الأمم لا تتم إلا بصفاء العقول من كدرات الخرافات وصدأ الأوهام ، فإن عقيدة وهمية لو تدنس بها العقل لقامت حجابا كثيفًا يحول بينه وبين حقيقة الواقع ويمنعه من كشف نفس الأمر ، بل إن خرافة قد تقف بالعقل عن الحركة الفكرية ، وتدعوه بعد ذلك أن يحمل المثل على مثله ، فيسهل