الإسلامية ، مفعمة بالشتم والسباب لصاحب الشريعة ( برأه اللَّه مما قالوا ) فأتوا من هذا العمل الشنيع مما تنفر منه الطباع ، ولا يمكن معه لذي غيرة أن يقيم على أرض تنشر فيها تلك الكتب ، وأن يسكن تحت سماء تشرق شمسها على مرتكبي ذلك الإفك العظيم ، وما قصدهم بذلك إلا توهين عقائد المسلمين ، وحملهم على التدين بمذهب الإنجليز ، هذا من جهة ، ومن جهة أخذوا في تضييق سبل المعيشة على المسلمين ، وتشديد الوطأة عليهم والإضراربهم ، من كل وجه ، فضربوا على أيديهم في الأعمال العامة ، وسلبوا أوقاف المساجد والمدارس ، ونفوا علماءهم وعظماءهم إلى جزائر ( أندومان ) و ( فلفلان ) رجاء أن تفيدهم هذه الوسيلة إن لم تفدهم الأولى في رد المسلمين عن دينهم ، بإسقاطهم في أغوار الجهل بعقائدهم حتى يذهلوا عما فرضه اللَّه عليهم ، فلما خاب أمل أولئك الحكام الجائرين في الوسيلة الأولى ، وطال عليهم الأمد في الاستفادة من الثانية نزعوا إلى تدبير آخر في إزالة الدين الإسلامي من أرض الهند أو إضعافه ، لأنهم لا يخافون إلا من المسلمين أصحاب ذلك الملك المنهوب والحق المسلوب ، فاتفق أن رجلا اسمه أحمدخان بهادور ( لقب تعظيم في الهند ) كان يحوم حول الإنجليز لينال فائدة منهم ، فعرض نفسه عليهم وخطا بضع خطوات لخلع دينه والتدين بالمذهب الإنجليزي ، وبدأ سيره بكتابة كتاب يثبت فيه أن التوراة والإنجيل ليسا محرفين ولا مبدلين لينال بذلك الزلفى عندهم ، ثم راجع نفسه فرأى أن الإنجليز لن يرضوا عنه حتى يقول إني نصراني ، وأن هذا العمل الحقير لا يؤتى عليه أجراً جزيلا ، خصوصًا وقد أتى بمثل كتابه ألوف من القسس والبطارقة وما أمكنهم أن يحولوا من المسلمين عن الدين أشخاصًا معدودة فأخذ طريقًا آخر في خدمة حكامه الإنجليز بتفريق كلمة المسلمين وتبديد شملهم . فظهر بمظهر الطبيعيين ( الدهريين ) ونادى بأن لا وجود إلا للطبيعة العمياء وليس لهذا الكون إله حكيم ( إن هذا إلا الضلال المبين ) وأن جميع الأنبياء كانوا طبيعيين لا يعتقدون بالإله الذي جاءت به الشرائع ( نعوذ باللَّه ) ولقب نفسه بالنيچري ( الطبيعي ) وأخذ يغري أبناء الأغنياء من الشبان الطائشين ، فمال إليه أشخاص منهم تملصًا من قيود الشرع الشريف ، وسعيًا وراء الشهوات البهيمية ، فراق لحكام الإنجليز مشربه ورأوا فيه خير وسيلة لإفساد قلوب المسلمين ، فأخذوا في تعزيزه
العروة الوثقى — صفحة 432
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٣٢