تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
نعم هذا وقت يتسنى للدولة العثمانية أن تتفق مع سائر الدول لصون مصالحها ، ولا يخطر ببال عثماني أن ينال خيرًا بالاتفاق مع الإنجليز ، إن حكومة بريطانيا ما عاهدت عهدًا إلا ونقضته ، بعدما جنت ثمرته ، فربحها في العهود خاص بها ، لا يشركها فيه غيرها ، لم يخف على الدولة العثمانية أن الإنجليز تصرفوا في الأراضي المصرية تصرف المالكين بلا مشورتها ، وهبوا قسما عظيما من السودان الشرقي للحبشة وأثاروا حربا صليبية بين الحبشيين ومسلمي السودان ، نزعوا إلى الاستيلاء على زيلع وهرر وبربر ، هل كان شيء من هذا بإذن الباب العالي ؟ فعلى أي وجه تثق الدولة بإنجلترا ، بعدما جربت من غدرها ما جربت ورأت من عدوانها ما رأت ؟ لو تساهلت الدولة مع الإنجليز في مسألة مصر فسنسمع عن قريب بأمور في الحجاز وسوريا واليمن والبغداد وكلها من دسائس الإنجليز ، أما لو أقدم العثمانيون بعزيمة ثابتة وأقبلوا على شأنهم في مصر ، مع هيجان الأفغانيين وانفراد إنجلترا عن سائر الدول ، لوجدوا لهم أنصارًا من جميع المسلمين في الشرق ، ومن المصريين والسودانيين ، ولأرغموا الإنجليز ، واسترجعوا ما فقدوه من المكانة أيام حرب روسيا ، ولأعادوا عزتهم الأولى . هكذا ينبغي أن يساق الجيش العثماني لصدمة الإنجليز لا لخدمتهم فإن لم تفعل الدولة العثمانية ، فعلي الدنيا العفا وعلى الإسلام السلام ! ! وليعلم المصريون من الفلاحين والعرب أن الإنجليز لا يقصدون إلا استعبادهم واستخدامهم كما يستخدم الأرقاء ، وأول نير للذل يوضع على أعناق أمرائهم ، فعليهم ألا يكونوا آلة في تمكين العدو من رقابهم ، وأن لا يكون بعضهم فخا لصيد باقيهم ، لعمر اللَّه إنا لفي عجب من الذين يحفظون القلاع في السودان ، ومن المصريين الذين يحفظون لمقاتلة السودانيين ، هل يعلمون أي أمة يخدمون ؟ ! بلى إن حامية كسلا حافظت عليها حتى تسلمها للحبشة ، وإن حماة القلاع في السودان يحفظونها حتى يسلموها لقواد الإنجليز إن استطاعوا ، نعم كنا نحب أن نرى هذه الشهامة من العساكر المصرية ، لكن إذا لم يكونوا في تصرف دولة أجنبية ، أما اليوم فثباتهم هو العار بعينه ، واللَّه لا أظن شخصًا في قلبه ذرة من الإيمان تسمح له نفسه بهذا العمل ، فإن لم يسعوا في إخراج عدوهم من ديارهم ، والظن بهم أن يسعوا ، فلا أقل أن يكفوا عن مساعدته في تملكها . ألا يعلم المصريون أن حركة خفيفة منهم في معارضة الإنجليز في هذا الوقت تجلب تدخل الدول وتكون سببا لإنقاذهم من هذا العدو الذي لا يكتفي بأكل لحومهم حتى يهشم من عظامهم ؟ فليعلموا ذلك وليعملوا ، واللَّه لا يضيع أجر العاملين .