الدهريون في الهند
دخل الإنجليز بلاد الهند ولعبوا بعقول أمرائها وملوكها على نحو يضحك العقلاء ويبكيهم ، وكانوا يوغلون في أحشاء الهند ويتخطفون أراضيه قطعة بعد قطعة ، كلما سادوا في أرض أدلوا على سكانها وأظهروا الضجر والسآمة من الإقامة بينهم قائلين : إن الإنجليز لا يشتغلون إلا بالأعمال التجارية ، أما مقارفة الإدارة والسياسة فليست من شؤونهم إنما يدعوهم إلى احتمال أثقالها الشفقة على الملوك والأمراء العاجزين عن سياسة ممالكهم ، ومتى قدر الأمير أو الملك على ضبط بلاده فلا يبقى إنجليزي فيها لأن لهم أشغالًا مهمة أخرى تركوها لمحض المرحمة . وبهذا سلب الإنجليز كل مالك ملك بحجة أن العمل في الملك ثقيل على النفس متعب للفكر والبدن فالأولى لصاحب الملك أن يستريح وأن يموت فقيرًا ذليلًا تخلصا من عناء التدبير ، وينادون بأنه متى سنحت الفرصة وجاء الوقت الذي لا يكون للأعمال المعاشية ولا المعادية تأثير على الأبدان ولا على الأفكار فإنهم مستعدون لترك البلاد ( يوم الحشر ) ، واليوم يقولون نفس الكلام بعينه في مصر ! ! ولما استقرت أقدامهم في الهند وألقوا به عصاهم ومحيت أثار السلطنة التيمورية نظروا إلى البلاد نظرة ثانية فوجدوا فيها خمسين مليونا من المسلمين ، كل واحد منهم مجروح الفؤاد بزوال ملكهم العظيم ، وهم يتصلون بملايين كثيرة من المسلمين شرقا وغربا وشمالًا وجنوبًا ، وأحسوا أن المسلمين ما داموا على دينهم ، وما دام القرآن يتلى بينهم ، فمحال أن يخلصوا في الخضوع لسلطة أجنبي عنهم ، خصوصًا إن كان ذلك الأجنبي خطف الملك منهم بالخديعة والمكر تحت ستار المحبة والصداقة ، فطفقوا يتشبثون بكل وسيلة لتوهين الاعتقاد الإسلامي وحملوا القسس والرؤساء الروحانيين على كتب الكتب ونشر الرسائل محشوة بالطعن في الديانة