تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣

اللورد نورث بروك حاكم مصر الجديد

كثيرًا ما أتينا في جريدتنا على بيان مسالك الإنجليز في تملك الهند وتذليلهم لأهاليه ، وذكرنا أن سيرة الحكومة الإنجليزية في افتتاح البلاد لا تشابه سير الفاتحين الذين يزحفون بخيلهم ورجالهم على الأقطار ، فيقتلون ويقتلون ، حتى يتغلبوا على من يريدون . وقلنا إن الإنجليز ملكوا نحو ثلث العالم بلا سفك دماء غزيرة ، ولا صرف أموال وافرة ، وإنما ملكوا ما ملكوا بسلاح الحيلة ، يدخلون في كل بلد أسود ضارية ، في جلود ضأن ثاغية ! ! يعرضون أنفسهم في صورة خدمة صادقين ، وأمنه ناصحين ، طالبين للراحة ، مقومين للنظام . نادينا مرارًا بأن الإنجليز إذا أرادوا التدخل في ملك للشرقيين ، ورأوا أن القائم به رجل حاذق بصير ، وأن وجوده في الملك يبطىء سيرهم إلى ما يقصدون . بادروا إلى التشويش عليه ، فإما أن يفسدوا عليه قلوب رعيته . ويثيروا عليه أحقادها ، أو يغروا أحد أعضاء العائلة المالكة بالعصيان وطلب الملك ليجدوا في ذلك وسيلة للدخول في الأمر ، أو يتفقوا مع الوزراء على خلع صاحب السلطة . ثم ينصبون بدله إما ضعيفا أحمق ، وإما صبيا لم يبلغ الرشد ، إما من أبناء الملك أو أقاربه ليتمكنوا من بلوغ مقاصدهم تحت علمه ، ويبلغوا غاياتهم باسمه ويقطعوا المسافة الطويلة في مدة قصيرة ، بلا ممانع ولا عائق ، مع إصابتهم جزيل الأجر ، على ما عملوا في بداية العمل . هذا كما فعلوا من مدة غير بعيدة مع « راجا برودا » ، خلعوه بدعوى باطلة ، لما أحسوا فيه البصيرة والحزم ، وأقاموا بدله ولدًا صغيرًا من عائلته ، ثم انتصبوا له أوصياء ، فوضعوا أيديهم على جميع خزانته ، وتولوا إدارة ممالكه ، واستلموا قيادة عساكره ، ولم يبق له إلا الاسم ، يذكر ولا يشكر ، كل هذا تحت راية العدالة والإصلاح ، وحفظ الراحة وتقرير النظام ، ولم يساقوا إليه إلا بباعث المحبة و
العروة الوثقى — صفحة 423 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده