تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
الذين ينطقون باللسان العربي ويفهمون دقائق ما أودع في ذلك اللسان وهو لسان دينهم ، وثالثاً أن أرض مصر من زمن محمد علي قد انتشرت فيها العلوم والآداب الجديدة على نحو ما هو موجود في بلاد أوروپا ، وأخذ كل مصري نصيبًا منها على قدره ، ولا تخلو قرية من القرى الصغيرة من أن يكون فيها قارئون كاتبون ، والأخبار العمومية توصلها إليهم الجرائد العربية ، ومن لم يقرأ يستنبىء الأخبار من القارئين ، فبهذا أضافوا إلى الشعور الطبيعي والتقليد الديني محبة وطنية منشؤها التهذيب العمومي قوي بها الميلان الأولان ، ولا أظنهم يخالفون في ذلك سائر الأمم . اهأين العلماء الأذكيا ؟ أين الجهلة الأغبياء ؟ أين الأباة الأعلياء ؟ أين السفلة الأدنياء ؟ ليرى كل واحد منهم منزلة الشرقيين عند رجال الحكومة الإنجليزية . كل ذي شكل إنساني ، وصورة بشرية ، يدرك ما وراء هذه الأسئلة ، وما تشف عنه هذه الظنون العجيبة . هذا اللورد هرتنكتون وزير الحربية الإنجليزية يظن أن الجهل بلغ من المسلمين عموماً ، والمصريين خصوصًا ، إلى حد سلب عنهم كل إحساس إنساني ، وأنهم في حضيض من الجهل ، لا يميزون فيه بين الغريب والقريب ، ولا بين العدو والحبيب ، هذا دليل على أن الإنجليز ( إلا من أنار اللَّه بصيرته ووفقه لفهم الصواب ) يعتقدون أن الأمم الشرقية ، والأمة المصرية ، في درجة الحيوانات السائمة ، والدواب الراعية ، لا تتألم إلا من الجوع ، وفواعل الطبيعة المادية ، وليس لها من الإحساس إلا نوع من الانفعالات البدنية ، ولا تعرف من شؤونها إلا ما به تقوم حياتها الحيوانية ، فتألف راكبها ، والعامل عليها ومستخدمها ، في أي عمل من الأعمال الشاقة ، ما دام يقدم لها طعامًا وشرابًا ، وأنها تهش وتبش لرؤية من يقدم لها غذاءها وعشاءها ، وإن كان من أشد البلاء عليها ، بما يسومها من مشاق الأعمال ، فإذا عجزت عن العمل ذبحها وتغذى بلحومها ، ألا فأعجبوا . . إن كانت هذه عقيدة رجال الحكومة الإنجليزية في الأمم التي يتسلطون عليها ، فأي معاملة تكون منها لها ؟ ! ألا يعاملونهم معاملة العجموات والحيوانات الرتع ؟ ! بلى ، وهكذا يعاملون ، وهذا تصرفهم في البلاد الهندية ، يشهد بأفصح لسان على ما يعملون . فالمصريون الآن بين أمرين أفضلهما أيسرهما : إما أن يتناكفوا ويتضافروا ويبذلوا