إن الحكومة الإنجليزية عرفت قدرة في براعته ومعرفته بوجوه المكر ، وخبرته بأحوال الشرقيين ، وسعة علمه بكيفيات التصرف في عقولهم وأهوائهم ، وطرق أخذهم من حيث لا يشعرون ، واعترفت له حكومته يصدق الطوية في معاداة المسلمين ، لأجل هذا قررت أن تبعثه إلى مصر ، وعزمت على إرساله إليها مفوضا من قبلها يفعل ما يشاء ولكن لا نظن حبالته الخداعية تصرع فطانة المصريين وتأخذ عقولهم ، فإن تسنى له النجاح ، ورضي المصريون على أنفسهم عار الذل ، ووصمة الضيم ، فلا يكون إلا باستعمال توفيق باشا آلة في جميع أعماله ، يستخدمه لإدخال مصر في ملك الحكومة الإنجليزية يلقنه الأوامر السامية ، ويلهمه الإدارات السنية ، لتذليل أهل بلاده وسوق المصريين لقتل إخوانهم وفتح البلاد الثائرة وإقرار السلطة فيها للحكومة الإنجليزية ، فإن تم له ما يريد من تسكين الفتن وتقريب المصريين للرضاء بحكومة تنفر منها طباعهم عمد إلى خلع توفيق باشا بأية علة وطلب تولية ابنهعباس لكونه ولدًا صغيرًا لم يبلغ الرشد واستند في ذلك إلى الفرمانات السلطانية ( يحترمونها إذا وافقت أغراضهم ) ، وجعل نوبار باشا ديواناً له ( الديوان وزير يعينه الإنجليز من طرفهم في الممالك التي تبقى في الهند تحت أسماء الامراء الذين لا يعرف فيهم الرشد ولا يجوز غرله إلا بأمر من الحكومة الإنجليزية ) ، نوبارباشا لا يقصر في هذا العمل ولا يألوا جهدًا في إبلاغه إلى نهايته ، نوبار باشا رجل لا هو مسلم فيغار على دينه ، ولا هو مصري فيحتمي على وطنه ، ولا هو عربي فتأخذه النفرة على جنسه ، وبهذا الطريق ينال سلطة في القصر المصري مدة لا تنقص عن الباقي من عمره ، ويكون في أمان من العزل ، تحت ظل الحكومة الإنجليزية . هذه مقاصد التي بلغتنا من مصدر يوثق به ولا نظنه ينجح فيها ، فإن صلاح الأمر في مصر لا يقوم به إلا من هو أعرف بحال المصريين وأقرب إليهم من « نورث بروك » هذا اللورد يسلك في سيره على ما جرى عليه في الهند ، إنا نذكر طرفا من أعماله عبرة للمعتبرين ، إن ( چيرت ستك ) كان راجا على ممالك ( جنبة ) الواقعة في جنب ( عنبر سر ) من طرف ( همالايا ) فلما مات هذا الملك تولى ابنه ( سر سينك ) وهو ولده من الملكة ثم مات وتولى شقيقه ( سوچت سنك ) على طبق قانون الوثنيين ، فلما ذهب ( نورث بروك ) حاكما في الهند قصد إلى تنفيذ حكمه في تلك
العروة الوثقى — صفحة 425
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٢٥