تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
( التروت ) ، التي يحررها النائب الشهير مستر لا پوشير وجريدة ( التايمس ) وسيذكر شيء مما جرى بينه وبين بعض الأكابر من رجال الحكومة مما يستفيد منه الشرقيون عمومًا ، والمصريون خصوصًا ، وستأتي جريدتنا على بعض ما استنبطه من فحوى أقوالهم وأدركه من مرامي أفكارهم . أما الآن فنأتي على جملة واحدة من محادثة طويلة كانت بينه وبين اللورد ( هرتنكتون ) وزير الحربية الإنجليزية . ليأخذ كل مصري منها حظه ، ويصيب كل شرقي سهمه ، ويقف جميعهم على مواقع الشرقيين من أنظار الحكومة الإنجليزية . سأل اللورد هرتنكتون وزير الحربية الإنجليزية : ألا يرضي المصريون أن يكونوا في أمن وراحة تحت سلطة الحكومة الإنجليزية ؟ وألا يرون حكومتنا خيرًا لهم من حكومة الأتراك ، وفلان باشا وفلان باشا ؟ فأجاب الشيخ ( محرر جريدتنا ) : كلا إن المصريين قوم عرب وكلهم مسلمون إلا قليلا ، وفيهم من محبي أوطانهم مثل ما في الشعب الإنجليزي ، فلا يخطر ببال أحد منهم الميل إلى الخضوع لسلطة من يخالفه في الدين والجنس ، ولا يصح لحضرة اللورد وهو على علم بطبائع الأمم أن يتصور هذا الميل في المصريين ، فقال الوزير : هل تنكر أن الجهالة عامة في أقطار مصر ، وأن الكافة لا تفرق بين الحاكم الأجنبي والحاكم الوطني ، وأن ما ذكرته من النفرة من سلطة الأجانب إنما يكون في الأمم المذهبة ؟ فاحتد الشيخ حدة تليق بمسلم لا يتهاون في أداء ما فرضه الدين ، وأوجبته حقوق الشريعة ، وقال : أولا إن النفرة من ولاية الأجنبي ونبذ الطبع لسلطته مما أودع في فطرة البشر وليس بمحتاج للدرس والمطالعة ، وهو شعور إنساني ظهرت قوته في أشد الأمم توحشًا كقبائل الزولو الذين لم تنسوا ما كابدتموه منهم في الدفاع عن أوطانهم ، وثانيًا أن المسلمين مهما كانوا وعلى أية درجة وجدوا لا يصلون من الجهل إلى الدرجة التي يتصورها الوزير ، فإن الأميين منهم ، ومن يقرءون ولا يكتبون ، لا يفوتهم العلم بضروريات الدين ، ومن أجلاها ومن أظهرها عندهم أن لا يدينوا لمخالفيهم فيه وأن لهم في الخطب الجمعية ومواعظ الوعاظ في مساجدهم ما يقوم مقام العلوم الابتدائية وأن جميع ما يتلقونه من النصائح الدينية يحذرهم من الخضوع لمن لا يوافقهم ويحدث فيهم من الإحساسات الشريفة الإنسانية ما لا ينحطون معه عن سائر الأمم خصوصًا المصريين
العروة الوثقى — صفحة 420 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده