الإخلاص ( ولا يذكر هناك اسم التملك والاستيلاء ) . نعم ولهم الحق في استبقاء اسم والسكوت عن آخر ، فإن أمراء الشرقيين لا يبالون بما دلت عليه الأسماء ، وإنما يهمهم طنطنة الألفاظ وضخامة الألقاب ! ! إذا سلب الأمير الشرقي ملكه وماله ، وجرد من جميع حقوقه ، وبقي له لقبه ولواحق لقبه ، فهو في سكرة من لذة ما بقي له ، وفي ذهول عما سلب منه ، هذه خلة عرفها الإنجليز في كل أمير شرقي ، فلمَ لا يقرون أعينهم بحفظ هذه الأسماء ، بعد ما جردت عن معانيها ، وأي داع يدعو رجال الإنجليز لإزعاج قلوب الأمراء بنزع هذه الألقاب ؟ إن اللقلب الضخم حصن حصين ، يسجن فيه الأمير الشرقي ، أو جب عميق يلقى فيه ، وهو يظنه جنة عرضها السماوات والأرض ، فليعش أمراء المشرق متمتعين بنعيم ألقابهم ، وسعادة أسمائهم ، ويكفيهم من المجد أن يقال لهم بين خدمهم وخاصتهم ، في داخل دوائرهم « نواب صاحب » « راجا صاحب » « خديو صاحب » « سلطان صاحب » . واخجلتاه ، هذه الألقاب كانت تشير إلى ملك فسيح ، ومجد شامخ ، وشوكة قوية ، وسطوة تخضع لها الشمم العوالي ، فكيف طابت نفوس أمراء المشرق بقبولها عارية من كل شرف ، لم يبق من معناها إلا سلطة على الخدم والحشم ، وما هم فيها بأحرار ، بل لا بد أن يوافقوا فيها رضاء الأجانب . من أدق رجال الحكومة الإنجليزية في فن الحيلة ، وأمهرهم في صناعة الخدعة وأطولهم باعا في النفاق ، وأحذقهم في اختراع الوسائل لسلب الأملاك من أربابها ، وأشهرهم في عدواة المسلمين ، ذلك اللورد المحترم ( نورث بروك ) . كان هذا الرجل البارع حاكما في الهند فأذاق أهاليه مر العذاب ، في كئوس المحبة والوداد . كم خرب بيوتًا ، وقلب عروشًا ، وكم خفض رفيعًا ، وأذل عزيزًا ، وهو في جميع سيئاته يبكي بكاء الشفقة ، ويسكب دموع المرحمة على الهنديين ، ويقول : إنني أول إنجليزي تهمه رفاهة أهل الهند ، وإنني وحيد بين الإنجليز بمحبة الهنود ، والسعي فيما يعود عليهم بالصلاح والنجاح ، وإنني أستغفر اللَّه إن كنت قصرت في عمل يؤمل بهم إلى الفلاح ، وينادي في الهنديين بقوله وأسفاه إنكم إلى اليوم ما عرفتموني ، ولا أحطتم بما حواه ضميري ، من إرادة الخير لكم ، هذا هو الكاهن الحاذق في وعظه ( ودونه في النفاق عبداللَّهبن أبيسلول رأس المنافقين في الإسلام ) .
العروة الوثقى — صفحة 424
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٢٤