تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
فإن كانت هذه شرعة تلك الأمة ، ولها وردت ، وعنها صدرت ، فما تراه من عارض خللها ، وهبوط عن مكانتها ، إنما يكون من طرح تلك الأصول ونبذها ظهريا ، ففلاحها الناجع إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها ، والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته . ومن يعجب من قولي - إن الأصول الدينية الحقة تنشىء للأمم قوة الاتحاد ، وائتلاف الشمل ، وتفضيل الشرف على لذة الحياة . وتبعثها على اقتناء الفضائل ، وتوسيع دائرة المعارف ، وتنهي بها إلى أقصى غاية في المدنية - فإن عجبي من عجبه أشد . . ودونك تاريخ الأمة العربية . . وما كانت عليه قبل الإسلام من الهمجية . . حتى جاءها الدين فوحدها ، وقواها ، ونور عقلها ، وقوم أخلاقها ، وسدد أحكامها ، فسادت العالم . ولا سبيل لليأس والقنوط من العودة إلى هذا الطريق ، فإن جراثيم الدين متأصلة في النفوس والقلوب مطمئنة إليه ، وفي زواياها نور خفي من محبته ، فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا إلى نفخة واحدة يسري نفسها في جميع الأرواح لأقرب وقت ، فإذا قاموا ، وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب أعينهم ، فلا يعجزهم أن يبلغوا في سيرهم منتهى الكمال الإنساني . ومن طلب إصلاح الأمة بوسيلة سوى هذه ، فقد ركب بها شططًا . . ولن يزيدها إلا نحسًا ، ولن يكسبها إلا تعسًا . . » . هكذا أعلن جمال الدين الأفغاني أن سبيل الإصلاح في هذه الأمة هو الإسلام . . وأنه هو طريق التغيير ، ونموذج التقدم والنهوض . . وأن استعارة النموذج الغربي في التمدن والنهوض ، هو طريق التبعية وتأييد العبودية لمركزية الغربيين الغزاة . . وأن المقلدين للنموذج الغربي هم عملاء الحضارة الغربية الذين لا يلبثون أن يفتحوا للغزاة الأبواب ثم يثبتون لهم الأقدام . قال الأفغاني ذلك قبل أكثر من مائة عام . . وصدقت تجاربنا مع التغريب والمتغربين على هذا الذي قال ! * * *
العروة الوثقى — صفحة 39 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده