وإذا كان التنوير الغربي - الوضعي العلماني واللاديني - قد أقام - باعتراف أهله - قطيعة معرفية مع الموروث الديني ، وذلك عندما أحل العقل والعلم والفلسفة محل الله والكنيسة واللاهوت . . وأضفى الإطلاقية على القدرات العقلية ، فرفع شعار : ( لا سلطان على العقل إلا للعقل ) ، فأحل العقل الإنساني محل الله ، ذي العلم المطلق والكلي والمحيط . . واعتبر الدين مرحلة ناسبت طفولة العقل البشري . . وفرّغ - بالتأويل - المصطلحات الدينية من مضامينها الدينية ، فأنسن الدين ، وفرغه من جوهره ومحتواه ! . . وبنص عبارة هؤلاء ( التنويريين - الغربيين ) : « فبعد أن كان المسيحي حريصًا على طاعة الله وكتابه ، لم يعد الإنسان يخضع إلا لعقله . . فأيديولوچية التنوير قد أقامت القطيعة ( الإپستمولوچية ) ( المعرفية ) الكبرى ، التي تفصل بين عصرين من الروح البشرية : عصر الخلاصة اللاهوتية للقديس ( توما الأكويني ) ، وعصر الموسوعة لفلاسفة التنوير . . فمنذ الآن فصاعدًا راح الأمل بمملكة الله ينزاح لكي يخلي المكان لتقدم عصر العقل وهيمنته . . وهكذا راح نظام النعمة الإلهية ينمحي ويتلاشى أمام نظام الطبيعة . .
لقد أصبح الإنسان وحده مقياسًا للإنسان . . وأصبح حكم الله خاضعًا لحكم الوعي البشري ، الذي يطلق الحكم الأخير باسم الحرية . . ويمكن للمعجم اللاهوتي القديم أن يستمر ولكنه لم يد يوهم أحدًا ، فنفس الكلمات لم يعد لها نفس المعاني ! . . » [ 1 ] . إذا كان هذا هو صنيع التنوير الغربي - الوضع العلماني - مع الدين ، فإن جمال الدين الأفغاني قد أهال التراب على هذا التنوير اللاديني ، ورآه دهرية تقف بالإنسان عند ظواهر الحياة الدنيا ، « وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ » [ الروم : 6 ، 7 ] ، وحيوانية تجرد الإنسان من الروح التي نفخها الله فيه ، وتقف به عند الجانب الطبيعي الحيواني . . ! ومن ثم ، فإن هذا التنوير الطبيعي اللاديني يفتح أمام الإنسان الأبواب الواسعة لغرائز اللذة والإباحية والقوة المفترسة والمروق والضلال . .
هامش
[ 1 ] . إميل بولا . . ( الحرية ، العلمنة . . حرب شطري فرنسا ومبدأ العدالة ) منشورات سيرف . پاريس 1987 م نقلا عن : هاشم صالح - مجلة الوحدة - الرباط . عدد فبراير - مارس 92 م . ص 20 ، 21 .