للتمدن بدون الذين البتة . . وإنا ، معشر المسلمين ، إذا لم يؤسس نهوضنا على قواعد ديننا وقرآننافلا خير لنا فيه ، ولا يمكن التخلص من وصمة انحطاطنا وتأخرنا إلا عن هذا الطريق . وإن ما تراه اليوم من حالة ظاهرة حسنة فينا ( من حيث الرقي والأخذ بأسباب التمدن ) هو عين التقهقر والانحطاط ، لأننا في تمدننا هذا مقلدون للأمم الأوروپية ، وهو تقليد يجرنا بطبيعته إلى الأعجاب بالإجانب ، والاستكانة لهم ، والرضا بسلطانهم علينا ، وبذلك تتحول صبغة الإسلام التي من شأنها رفع راية السلطة والغلب ، إلى صبغة خمول وضعة واستئناس لحكم الأجنبي . وإن المقلدين لتمدن الأمم الأخرى ليسوا أرباب تلك العلوم التي ينقلونها . . والتمدن الغربي هو ، في الحقيقة ، تمدن للبلاد التي نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنساني . . ولقد علمتنا التجارب ، أن المقلدين من كل أمة ، المنتحلين أطوار غيرها ، يكونون فيها منافذ لتطرق الأعداء إليها ، وطائع الجيوش الغالبين وأرباب الغارات ، يمهدون لهم السبيل ، ويفتحون لهم الأبواب ، ثم يثبتون أقدامهم . وإن الظهور في مظهر القوة ، لدفع الكوارث ، إنما يلزم له التمسك ببعض الأصول التي كان عليها آباء الشرقيين وأسلافهم ، ولا ضرورة في إيجاد المنعة إلى اجتماع الوسائط وسلوك المسالك التي جمعها وسلكها بعض الدول الغربية الأخرى ، ولا ملجىء للشرقي في بدايته أن يقف موقف الأوروپي في نهايته ، بل ليس له أن يطلب ذلك ، وفيما مضى أصدق شاهد على أن من طلبه فقد أوقر نفسه وقرًا [ 1 ] أعجزها وأعوزها . إنني أرسل فكري إلى نشأة الأمة التي خملت بعد نباهة . . وأطلب أسباب نهوضها الأول . . إنه : دين قويم الأصول ، محكم القواعد ، شامل لأنواع الحكم ، باعث على الألفة ، داع إلى المحبة ، مزك للنفوس ، مطهر للقلوب من أدران الخسائس ، منور للعقول بإشراق الحق من مطالع قضاياه ، كافل لكل ما يحتاج إليه الإنسان في مباني الاجتماعات البشرية ، وحافظ وجودها ويتأدى بمعتقديه إلى جميع فروع المدنية . .
هامش
[ 1 ] . الوقر : الثقل .