البحر الأحمر . نعم ربما يختلج بخواطر الوزراء البريطانيين أن يخدعوا الدولة العثمانية ويحملوها على الحكم بعصيان محمد أحمد وتضليله ليحولوا القلوب عنه ثم يجنوا الثمرة كما جنوها من الحكم بعصيان أحمد عرابي ، ولكن قد تبين الرشد من الغي وظهر للدولة العثمانية سوء طوية الإنجليز وعدوانهم على حقوقها فليس من المحتمل أن تنخدع لهم مرة ثانية ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، كما أنه يشبه المحال أن عثمانيا يجوز سوق الجيوش العثمانية إلى السودان لتذليله وعساكر الإنجليز في قاهرة ، ينتظر العثمانيون بعد انقضاء الفتنة نهاية المراوغات الإنجليزية حتى تئول مسألة مصر إلى مثل ما آلت مسألة بوسنة وهرسك مع دولة النمسا ، فعلى العثمانيين وأصحاب العزيمة من المصريين أن يجمعوا أمرهم على كشف هذه النازلة صونًا لأوطانهم ولاتقاء شر ربما يحدث في جهات أخرى ، فإن قضى حرص دولة الإنجليز بصد أرباب الحقوق الشرعية عن أداء المفروض عليهم جهلا منها بمصلحة نفسها وبمصالح تلك البلاد ، فعلى العثمانيين أن يقيموا الحجة بسيوفهم وجيوشهم لا بالرقائم والأوراق فإن هذا فساد لو أهمل لعم وعمت زواياه ولا نظن أن دولة بريطانيا تثبت على نفختها هذه فإنها ستشتغل بداخل البيت عن خارجه بعد قليل . لسنا نقول ما نقول جزافًا ، ولكن دعوة القائم السوداني أشربت قلوب الأكثرين في الهند وبلوچستان وأفغانستان ، وقد علق شرر الثورة بأهداب الخواطر فلا تلبث أن تلتهب فللدولة العثمانية أن تمد نظرها إلى أعماق المسألة وتقدر قوة الإنجليز وأهبتهم العسكرية مع ملاحظة ارتباكاتهم في ممالكهم وظهور عجزهم وضعفهم في الحوادث الأخيرة ومراعاة آراء الغالب من الدول العظيمة وبعد الإحاطة بهذا كله وهي أسهل من كل سهل تظهر عزمًا ثابتًا وبأسا قويا يليق بدولة عظيمة كدولة آلعثمان طالما ظهرت على يديها خوارق العادات ، وللَّهالأمر من قبل ومن بعد .
العروة الوثقى — صفحة 403
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٠٣