أراضيهم ثم انقلب على الأفغانيين وكانت بينه وبينهم حرب هائلة ، امتد زمنها نحو سنتين وما نبض في الهنديين عرق ، ولا امتد من الإيرانيين ساعد ، ولا كانت بينهم وبين العثمانيين وصلة ، ولو كان لجميعهم بصر بالعاقبة لأدركوا أن حياة كل منهم معقودة بحياة الآخرين ، بالغ الخصم في تطاوله حتى اعتدى على الممالك العثمانية بسوق جيوشه إلى الأقطار المصرية التي هي أعظم أيالة من إيالات العثمانيين ، بل أهم أقطار المسلمين ، وهو الآن محاولة الاستيلاء على تلك البلاد ، والاستبداد بالحكم فيها غير مبال بحقوق الدولة العثمانية ، ولا محترم ولايتها الشرعية ، وكان المسلمون لبداية الأمر على مثل تفريطهم السابق غير ملتفتين إلى ما حل بهذا القطر الإسلامي العثماني ، ظنًا منهم أن العدو يصدق مرة في وعده أو يخشى عاقبة السوء من طمعه ، فلما رأوه غريقًا في غيه ، متغلغلا في سيره ، مغروًا بقوته ، ناصبا لحبالته ، اهتزت رواسيهم ، وتحركت ثوابتهم ، وتنبهوا من سباتهم ، وندموا على ما سلف من سابق التفريط ، وأحسوا أن ما أصاب اليوم بعضهم فلا بد أن يمس يومًا جميعهم ، فصارت المسألة المصرية سبباً في احياء الإخوة الدينية ، كما بشرتنا به الرسائل الواردة إلينا من فارس والهند وأفغانستان ، فلو تمادى الإنجليز في حرصهم ، وحملهم الشره على غمط حقوق العثمانيين ، وثبتت الدولة العثمانية في المدافعة والمطالبة ، لوجد لها من المسلمين القادرين على نكاية الإنجليز من يقوم بنصرها أداء لما أوجب اللَّه عليه . وإنا بعد أداء الشكر لأولئك المؤمنين الصادقين ، على ما أظهروا من حميتهم الدينية التي أشارت إليها رسائلهم ، نرغب إليهم أن يحافظوا على وحدة العقيدة العامة وجامعة الشريعة الحقة وأن يصغوا إلى أصوات الغيلان التي تناديهم في الليالي المظلمة ، بما يحاكي أصوات الإنس وإنما هي أصوات مردة الشياطين ، يبتغون تفريق الكلمة ، وتشتيت الشمل وإخماد الغيرة ، ونسأل اللَّه تعالى ثباتًا للمسلمين على أصول الاتحاد ، وقواعد الألفة ، وأن لا يميل بهم الهوى إلى جعل الاختلاف في المسائل الثانوية ، سببًا في حل الجامعة الإسلامية ، التي قوامها الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وأن لا يجعلوا هذا الخلاف ذريعة العدو إلى محق ملتهم وإفساد ولايتهم ، واللَّه يهدي من يشاء إلى سواء السبيل .
العروة الوثقى — صفحة 406
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٠٦