تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
صدهم عن سبيل القصد ؟ لو كانوا فيه من الصادقين رجعوا وتركوا چوردون باشا في فم التنين ثم التجئوا إلى ملك الحبشة ليثيروا به حربًا صليبية تسود بها وجوه الكاذبين الذين يزعمون أنهم دعاة الإنسانية ورعاة التمدن . فماذا يكون من عساكرهم لو أقامت في مصر أضعاف ما أقامت ؟ ! أظن لا يختلف المستقبل عن الماضي إلا بعظم خطوبه واشتداد نوبه . هل يبتغون المحافظة على حدود مصر الأولى وحمايتها من هجمات السودانيين ويقفون عند حد المدافعة ولا يذهبون إلى ما وراء ذلك ؟ ! إن كانت بغيتهم ، فهي بغية البقاء في مصر ما دامت مصر أو السودان سودان ، لأن صيال الثائرين يتوقع في جميع الأطراف من حدود مصر وأداموا قائمين بنشر هذه الدعوة ، بل كلما طال الزمن اشتد خطرهم وقويت أعضادهم ، وكل كرة لهم أو فرة تقوم بها للإنجليز حجة في ملازمة الحدود المصرية للدفاع عنها فلا يكون لحلول الجيش للإنجليزي بأرض مصر أمد ينتهي ولا أجل ينقضي . فما لهم ينبسون على الدول والدولة العثمانية والمصريين بتحديد مدة الحلول إلى ثلاث سنوات ونصف مع سرد الألفاظ المبهمة كتقرير الراحة وحفظ النظام وإعادة الطمأنينة إلخ مما يسمع ولا يفهم ؟ ! وليس من المبالغة أن نقول إن حلول الجيش الإنجليزي كان وسيكون من أعظم الأسباب لقوة محمد أحمد ولولا وجود العساكر الإنجليزية في مصر ما تمكن الرجل من الجهر بهذه الدعوة العظيمة ، ولقد كان يتبرأ من نسبتها إليه أيام كانت الحكومة المصرية خالصة للمصريين ، بل ما كان يجد أحداً يلبي دعوته أو يدخل تحت رايته . هذه تواريخ الأمم وهذا سير طبيعة الكائنات ترشد المستبصرين إلى أن مثل هذه الدعوة لا يقوم قائمها في أمة إلا عند اشتداد الخطوب عيها وزحف الأغراب إليها . أي حجة لمحمد أحمد في دعوة الناس إليه وأي نفثة تجمع القلوب عليه أقوى من أي يقول إن الإنجليز من نيتهم الاستيلاء على أرض مصر وهي في عداد الأراضي المقدسة وباب الحرمين الشريفين ومهد العلوم الدينية ودعامة القوة الإسلامية فمن كان يؤمن باللَّه ورسوله فليجب داعي اللَّه في مدافعتهم ، وإنقاذ البلاد من رجسهم . وهذا الكلام مما يزعج قلب كل مسلم ويبعثه على الاتفاق مع صاحب النداء . هل يتوهم بعد سقوط الخرطوم وجيش الإنجليز حال بأرض مصر أن تقف
العروة الوثقى — صفحة 400 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده