الاعتداء واجتماع خواطر الأهالي على الرضى بما يرسم عليهم من السائدين في ديارهم والتسليم لما يقضي به فيهم - ألا يعجب من هذه التعلة ! ! - هل يوجد أبله في أي أمة يظن في المصريين الركون إلى السكينة ما دام الجيش الأجنبي متبوئًا ديارهم ؟ ! أليس وجود عسكر أجنبي تحت أنظارهم كافيًا في نفرة قلوبهم وازدياد شغبهم ؟ ! - الطبيعة تحكم باستحالة ما يطلب الإنجليز منهم ، والتجربة من مدة سنين طبقت بين الحكم العقلي وبين الواقع الحقيقي - هل يمكن سلامة خواطر المصريين من القلق بعدما علموا أن الإنجليز لم يفتتحوا بلدًا من بلاد الشرق إلا تحت راية هذه الحجج وعلى هذه الطريقة التي يسلكونها في مصر ؟ ! وهل كان لهم سلطان في جهة من جهات الشرق إلا بدعوى أنهم يريدون فيها الإصلاح ثم ينجلون عنها أتقياء الراحات أعضاء الذيول ؟ ! ماذا يريد الإنجليز من تقرير الراحة بعساكرهم في مصر ؟ هل يريدون مكافحة اللصوص حتى يقهروهم على طرح السلاح ويقوا الأهالي شرهم ؟ ! إن كان هذا قصدهم فياخيبة الأمل ، فإن شيئًا من هذه الفظائع لم يكن إلا وجيوشهم نازلة بالبلاد ، فكأنما كانت تلك الجيوش مثارًا لهذا الفساد مضى عليها سنتان وهي في معاقل مصر وهبت أعصار السوء بقدومها ، وكلما طال الزمن زاد الخطر وقويت عصابات الشر ، فماذا قيل يكون منها في ثلاث سنين ونصف إلا مثل ما كان من أثرها في سنتين أو أشد فتنة . فكيف يعقل أن يكون بقاؤها في مصر مفيدًا لرد الأمن إليها ، وهل تكون علل المفاسد مجلبة للمصالح ؟ ! نعم يكون هذا إذا قيل إن حصو الرمضاء يطفئها أو إن وقود النار يخمدها ، هل يقصدون من تقرير الراحة إخماد فتنة السودان ؟ ! إن صح هذا القصد منهم فمتى سعوا إليه وأي جيش ساقوه وأي قوة وجهوا بها لتكسر سورة الثورة وتمحو أثرها . تهافتوا بجيش عظيم على منازلة رجل من رجال محمد أحمد ( عثمان دجمة ) في سواحل البحر الأحمر فما كانت إلا مهارشة هرت فيها العساكر وبلغ صوت وقوف القواد إلى أقاصي المسكونة وارتد بهم الذعر إلى البحر وقفلوا إلى ديارهم يتلفتون إلى ما وراءهم خوفًا ورهبة . كان الواجب أن يتبعوا عثمان دجمة إلى بربر والخرطوم حتى يبددوا جنده ويلحقوا به صاحب الدعوة . فإن عجزوا عن الكل فلا أقل من أن يأتوا على البعض ، فما الذي
العروة الوثقى — صفحة 399
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٩٩