تركيا
ليس في التعلات أعجب مما يتعلل به الإنجليز ولا في المحاورات أغرب مما يستدلون به . لا مقدمات بينة ولا حجج قيمة وأقوى ما يكون من أدلتهم أولى به أن يكون في معرض الهزل من أن يكون في جانب الجد . ولكن أغرب من جرأتهم على الجهر بمداعبة الأمم بما هو أشبه بالترهات إصغاء الآذان لما يقولون وانصراف الأذهان عن بيان الهجو فيما يوردون وإظهار الوهن فيما به يتعللون ليتهتك الستار عن أغراضهم وتظهر خفيات مقاصدهم وترتفع الريبة عمن يخدعون بملاعباتهم . إن الإنجليز ساقوا جيشًا إلى مصر وبوءوه أرضها مدة لا تزيد على سنتين ، فكان حلول جيشهم سببًا في انحلال النظام واختلال الأحكام وعموم الفساد في أرجاء البلاد حتى صار الناهبون وقطاع الطرق على نحو الجيوش المنظمة سرايا وكتائب تزحف للغارة على القرى والبلدان ضاحية بلا استتار ، وسرى الاختلال في عموم الأعمال الإدارية والقضائية ففقدت الأمنية على الحقوق كافة وسقطت البلاد بسبب ذلك إلى درك من الضيق والعسكر لم يكن يخطر على بال ، وما كان شيء من تلك الفظائع ولا واحد من هذه المفاسد ولا قليل من هاته الشدائد موجودًا أيام الحركة التي سموها فتنة عسكرية واخترعوا منها دليلا على الفوضى وزعموا فيها وسيلة للتداخل بعساكرهم . حالة مصر شاهدة على أنه لم يكن للاختلال فيها اسم ولا للفوضوية أثر إلا بعد ما وطئ الإنجليز أرضها ، ومع ذلك يزعمون أنهم ما أتوهم إلا لتقرير الراحة وإصلاح النظام وإزالة الفوضى ، ويريدون أن تمتد إقامتهم فيها إلى أجل بعيد ليتمموا القصد الذي أتوا إليه وشرطوا جلاءهم عنها برسوخ الأمن وانقطاع شأفة