الجريدة « البنجالية » فصلًا بينت فيه سوء معاملة الحكومة الإنجليزية الهندية وخشونتها على الهنديين وإهانتها لهم وإجحافها بحقوقهم وحرمانها لم من خدمة أوطانهم وإثقالها عليهم بالضرائب الباهظة واستئثارها بجميع ما يكسبون من كدهم وتعبهم مع احتكارهم جميع ينابيع الثروة مما أوجب شدة الضيق والضنك في عامة الأقطار الهندية وكان سببًا في انحراف قلوب الهنديين عن الحكومة ونفرتهم منها . ثم انبعث هذا بقولها : فليس لحكومة الهند بعد ذلك كله أن ترجو مساعدة رعاياها لها عند وقع حرب بينها وبين الروس ولا أن تؤمل في العساكر الهندية بذل أرواحهم في الدفاع عنها ، فإن الجند يشركون الأهالي فيما ألم بهم ويألمون كما يألمون ، وليس من الحق لحكومة بريطانيا مع سلوكها هذا أن تلوم الهنديين إذا آثروا عليها دولة الروس واختاروها حاكمة لهم ، هذا مجمل ما قالت وأقل ما كان يترتب على هذا الكلام وأمثاله من الفوائد هو تنبه الحكومة الإنجليزية لما خرجت به قلوب الأهالي وأحرجت صدورهم فتعدل مشربها وتقوم منهجها مع الهنديين وترفع عن كواهلهم بعض الضرائب الثقيلة وتمنح الوطنيين بعض الوظائف في الدوائر الملكية أو العسكرية وتكف عن إهانتهم وتذليلهم ليكون لها عدة إذا دهمتها أم صبور ( الداهية أو الحرب الشديدة ) من جهة الشمال . وكان على الهنديين خصوصًا أرباب المعارف منهم أن يؤيدوا القائل في قوله أو يحمدوا له سعيه أو يتركوه وشأنه ، لعل خيرًا كثيرًا أو قليلًا يستتبع ذلك لأوطانهم وأبناء أمتهم ، ولكن وا أسفًا بدل هذا يلتوى صاحب جريدة ( أوده أخبار ) ويجور عن جادة الصواب في تقريع الجريدة البنجالية وتعنيفها ثم يطلب من الحكومة الإنجليزية أن تمحو حرية الجرائد من بلاد بنجالة ، وهذه الجريدة وإن وصفها مقوم الجرائد في الهند ( مدير المطبوعات ) بأنها متملقة معمعة للحكومة ، إلا أنه ما كان يخطر ببالنا أن تنحط وتسفل إلى هذا الدرك ولا أن ترتكب في تملقها هذه الجريمة العظمى وهي طلب محو الحرية في البنجالة وصد أبناء وطنها عن التنبيه على بعض حقوقهم وشكاية شيء من أرزائهم ، لا حول ولا قوة إلا باللَّه .
العروة الوثقى — صفحة 397
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٩٧