لهذا كنا نعجب لسكوت الدولة العثمانية في هذه الأزمان الأخيرة عندما اشتدت مقارعات السياسيين من كل دولة وتصارعوا في المفاوضات والمجادلات محاماة عمالهم من المصالح في مصر مع أن الدولة كانت أحق وأولى من جميع الدول بالاهتمام وبذل الجهد للمناضلة عن حقوقها الثابتة إرضاء لخواطر المسلمين عمومًا واستبقاء لحسن عقيدتهم فيها وحماية عن ممالكها وأهم مملكة منها إلى أن اطلعنا على إعلان بعث به الباب العالي إلى الدول بطريق التلغراف فيما يتعلق بالاتفاق المنعقد بين فرنسا وإنجلترا في المسألة المصرية أتى فيه عل بيان العواقب السيئة التي تنشأ من طول مدة الاحتلال الإنجليزي في مصر ، وأظهر أن مجرد تحديد المدة لا يكف الإنجليز عن حرصهم وغاية ما فيه أن يستتبع مداعاة الدول والدولة العثمانية مع الإنجليز ، وبرهن على أن بقاء العساكر الإنجليزية في مصر ليس بضروري في حل المسألة . فإن كانت الدول لا ترى في العساكر الأهلية كفاية لصيانة البلاد من الخلل ، فالباب العالي مستعد لإرسال العساكر إليها على ما تقتضيه حقوقه فيها كما عرضه على الدولة لابريطانية وجرى البحث وفيه ولكن حال دون الإجراء موانع سياسية . فإن لم تقبل الدول أن يستقل الجيش العثماني بحل هذا المشكل فإنه يعرض عليها أن يحتل مصر جيش مختلط يؤلف من عثمانيين وفرنسيين وإنجليز وإيطاليين وإسبانيين وإلى الدول تعيين الأجل في الوجهين ، وزاد الباب العالي في إعلانه هذا خدشًا لخواطر الإنجليز حيث قال إن الإنجليز قد أنهوا أعمالهم في محو العصيان وتثبيت سلطة الخديو إلا أنهم لم يأتوا في تحسين حال مصر وتقويم نظامها إلا بما فيه إجراء بعض مقاصدهم السابقة . وإنا نقول كما يهتف به كل مسلم ، إن من فروض الدولة العثمانية أن لا تدع وسيلة للذود عن مصر وكف يد الإنجليز عنها وأن تكون همتها في ذلك كهمتها في الذود عن نفس الأستانة وليس لها أن ترهب هذه الرعود وتلك البروق التي لا تعقب مطرًا ، ومن الحق أن نقول إن في مكنة العثمانيين أن يقوضوا هذا البيت البلوري « بيت العظمة الإنجليزية » بحجر واحد فإذا اشتدت الأزمة تيسر لهم السعي في الوئام بين الإيرانيين والأفغانيين والبلوچيين ولا يكلفهم هذا إلا كلمتين يستندان إلى أصل ديني قويم ، وعندها يعرف الإنجليز مقام أنفسهم في الأقطار الهندية
العروة الوثقى — صفحة 394
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٩٤