الباب العالي والإنجليز
يهتم المسلمون في كل أرض بأمر ما يجري في مصر ، بل تذهب نفوسهم حسرات كلما رأوا أو سمعوا أن جنديا أجنبيا يجول في نواحيها مقاتلًا أو حاميا وليس شأن مصر عندهم كغيرها من البلاد فإنها بهرة الإسلام وباب الحرمين الشريفين ، فكل نازلة بها تزرأ الدين وتصدع من أركانه والمسلمون في قلقهم هذا ينظرون إلى الدولة العثمانية ويقلبون وجوههم في سماء سلطتها الحسية والمعنوية يرجون منها عزمة ثابتة تنقذ بها الأراضي المصرية من تبوء الأعداء ويحفظ بها شرف المسلمين ومكانتهم بين الأمم ، وتصان بها ولاية الإسلام من السقوط في حبائل هذه الدولة الداهية - دولة الإنجليز - التي أخذت على نفسها أن تبيد ولاية هذا الدين وتحول حابله على نابله ، هذا فضلًا عمّا يراه كل مسلم أن عزة الدولة العثمانية وشوكتها ليست إلا بسلامة ملكتها على مصر فإن قضى فيها الأمر لغيرها - والعياذ باللَّه - أصبحت حقوق العثمانيين في جميع ممالكهم معرضة للخطر ، فهذه دولة الإنجليز كمرض الآكلة يظهر أثره ضعيفًا لا يحس به عند بدئه ثم يذهب في البدن فيفسده ويبليه بدون أن يشعر المصاب بالألم - هكذا شأن الإنجليز في لينهم وتلطفهم وحلاوة وعودهم وتملقهم وخضوعهم ، يسلبون المالك ملكه بل الحي حياته وهو مأخوذ بما يشعوذون له - ولا ريب في أن الإهانة التي تمس الدولة العثمانية تنال جميع المسلمين في الشرق والغرب ، فإن كل مسلم - وله الحق - يعد هذه الدولة دولته ولو تباعدت الأقطار . إن الهنديين إلى اليوم وما بعد اليوم يباهون بها ويحسبون أنفسهم في عداد الأمم التي لم تذهب سلطنتها ويعتقدون أن لهم سلطانًا قويا في الدولة العثمانية بل يرون أن خلاصهم من قيد الرق الإنجليزي لا بد أن يكون يومًا ما بسعيها ، وقد أظهرت أيام الحرب الأخيرة آثار لحمتهم معها باللحمة الملية بما لم يبق ريبة لمرتاب في شدة صلتهم بها .