تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
حيدة مصر نفسها بأن تحول حكومتها إلى حكومة سويسرية أو بلچيكية في إفريقيا وتوضع تحت حماية الدول عمومًا فتؤمن الإغارة عليها من إحداها إذا آل الأمر إلى هذه الحال « والعياذ باللَّه » فهل يسمح أرباب الحماية أو السيادة بتفويض أعمال الإدارة والقضاء والمالية للمصريين العارفين بشؤون بلادهم : كيف نظن هذا وقد سجل عليهم الإنجليز أنهم أضعف من أن يقوموا بعمل جزئي أو كلي في خدمة أوطانهم وأن من الضروري لحياتهم أن يكونوا آلة صماء في أيدي غيرهم من الأوروپيين . قد يعقب ذلك لو حصل تشكيل مئات من المجالس في القطر المصري كلها تشبه المحاكم المختلطة ، أما مجالس الفصل والقضاء ابتدائية واستئنافية ، فالأمر فيها بين ، وأما إدارة الداخلية والمالية وفروعها فلا تستقل بها دولة من الدول فإن طبيعة الأمر تأباه ، فلا يتولى أعمالها إلا مجالس مؤلفة من أقوام مختلفة الأشكال واللغات متبائني الحكومات . ولو تفضل السائدون على المصريين عند بداية العمل لسمحوا بأن يكون في كل مجلس واحد منهم إلى زمان محدود . أولئك الأعضاء الأجانب وهم نواب دولهم لا يكون سيرهم إلا كما سار إخوانهم من قبل . كل منهم يستدعي من أبناء جلدته من يستخدمه في وجه من وجوه الأعمال التي يولى النظر فيها وتقع بينهم المنافسات ثم تكون المحاباة ، كل يتغاضى عما يأتيه الآخر ليتغاضى الآخر عنه فلا تكون مدة حتى تضيق أرض مصر بالأجانب ولا يعود فيها مقر لوطني ، هذا إلى ما يتبعه من إقامة عسكر مختلط للمحافظة في المدن والأقاليم ، فلا يبقى للمصريين إلا خسائس الأعمال يفلحون الأرض ويعانون الأعمال الشاقة ولكنهم أجراء عسفاء لغيرهم يؤدون ثمرات ما يكسبون إلى من لا يعرفون ، يخرجون عن جميع ما كانوا نالوه في الأزمان الأخيرة من عهد محمد علي إلى الآن ، ولا يمر زمن طويل إلا يصبحون كسكان الأمريكتين ينحسرون إلى بعض الأطراف القاصية عن العمران أو يندمجون مع الأجانب فلا يوقف لهم على أثر صحيح وتصير الأراضي المصرية مأهولة بأخلاط مختلفة كما في أراضي أمريكا الجنوبية والشمالية ، ويقوم لفيف أولئك الأغراب مقام أبناء الأرض الصادقين وهذا مما لا يسر عاقلا - وإن راق في نظر بعض المباركين - وأملنا في الدولة