تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
تعارفه الإنجليز حتى صار كخاصية لازمة لطباعهم ترد إليه جميع أعمالهم من حيث يشعرون ولا يشعرون ، وعليه كان بناء ملكهم في الهند . إن الإنجليز أول ما خطوا خطوة في الهند وجدوا مملكة ( أود ) من الممالك الواسعة وأغلب أهاليها على مذهب الشيعة ولها نواب ( حاكم ) عظيم من أهل ذلك المذهب ، فرأوا أن يحملوه على الاستقلال وزينوا له الطمع في لقب شاه لينفصل عن الملك التيموري . وفي التنازع لنيل هذا المطمع يصيب كلا من الطامع وصاحب الملك سهم من الضعف والوهن فيتهيأ كل منهما للوقوع في مخالب الإنجليز وقد حصل . وأول ما حلوا مصر ولمحوا شرارة في السودان أدنوا منها وقودها لتكون نارًا مهلكة فبعدما طردوا الجيوش المصرية إيذانًا بالغضب عليهم . جمعوهم ليسوقوهم إلى السودان تحت قيادة أعداء لهم من الإنجليز ، فذهبوا وهم موقنون أنهم يساقون إلى الموت ليذوقوا وبال الانتقام فقولهم منكسرة وعزائمهم واهنة وعقائدهم لا تسمح لهم بالانقياد لرؤسائهم الأجانب ، وأحس السودانيون وهم مسلمون أن قواد الغارة عليهم ليسوا على شاكلتهم ، فزادهم حمية وإقدامًا ، فكان هذا وذاك سببًا في استفحال أمر السودان بعد ما هلكت رجال وأنفقت أموال وساءت أحوال من السودانيين والمصريين ، كل هذا ليتوسل به الإنجليز لفصل السودان عن مصر بعد خراب الدارين وكأنهم عندما أرسلوا چوردون باشا وأدنوه أن يمنح محمد أحمد لقب أمير كوردفان قصدوا أن يتمموا عملهم ولكن لم ينجحوا . وعندما كانت الحرب قائمة بين دوست محمدخان أمير أفغانستان وبين ( رانچيب سنك ) البنجابي تخوف الإنجليز من تسلط الأفغانيين على بنجاب فتداخلوا في الصلح وسحروا قلوب الأفغانيين بلين القول ولطف الوعد حتى أرضوهم بترك مدينة بيشاور وما يليها لرانچيب سنك . وانعقد الصلح على هذا وأجلى الأفغانيون عن مملكة بنجاب ورجعوا إلى بلادهم . وبعد عشر سنين من تاريخ الصلح زحف الإنجليز إلى بنجاب وافتتحوها لأنفسهم واستولوا على مدينة بيشاور فقال بعض أمراء الأفغان إن ذاك الصلح كان مقدمة لهذا الفتح وإن الإنجليز في تعيينهم للحدود إنما كانوا يحددون بلادهم ولكن كنا عنه غافلين .
العروة الوثقى — صفحة 363 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده